ما أنجزته "ثورة الأرز" كان ما انتظره اللبنانيون الاحرار عقودا غابت فيها الحرية عنهم وسادت خلالها نماذج القهر والقمع ومصادرة الرأي والغرف السوداء والأقبية وصناديق السيارات. بعد ست سنوات من الحرية النسبية، استفاق بعضهم اليوم ليخلص الى ان ثورة الارز اعادت البلد 60 عاما الى الوراء وكأن ذكريات الزمن المطرّز بعذابات اللبنانيين وآلامهم تروق له أكثر لأنها تعبّر عن مكنوناته أكثر، أو كأنه افتقد "أيام العز" وصار يحن لها مجددا.
القائل إن "ثورة الأرز" أعادت لبنان 60 عاما الى الوراء يحن الى ايام شن الحروب في بيروت الغربية مع "الحزب التقدمي" مرة ومع "المرابطون" مرات ومع سواهما من الفصائل المسلحة، ويحن أيضا لذكريات حرب المخيمات الفلسطينية تحقيقا لرغبات نظام دمشق، وربما في مكان آخر يتوق الى الصدام المسلح مع "الحزب" ابن جلدته في الضاحية واقليم التفاح.
القائل إن "ثورة الأرز" أعادت لبنان 60 عاما الى الوراء يحن الى أيام مرافئ الأمر الواقع والخوات وسرقة أموال الناس ومجوهراتهم من البيوت لتكوين ثروات تستثمر في ما بعد وتغسل في المشاريع والتعهدات فتخرج أموالا نظيفة طاهرة.
صديقنا هذا، يعترف في مجالسه الخاصة ويفاخر بأنه يرأس ميليشيا من الزعران رأى اللبنانيون مهارتها في ارتكبت الموبقات في 7 أيار 2008.
وقد لا يكون من داع للعودة بالزمن الى أيام العدلية وما قبلها لنذكّر "هذا القائل" بما نسيه بعدما سكن أفخم مناطق بيروت.
سعى صديقنا الى إلصاق كل عفن الايام بـ "ثورة الارز" لأنه اشتم رائحة الحرية فوّاحة من سوريا. وإذا ما اتّبع الاحرار هناك نسق "ثورة الارز" ونجحوا في التغيير، فإن صديقنا هذا يدرك تماما ان لا مجال له للاستمرار في موقعه سنوات اضافية، وهو يعرف تماما انه وصل الى هذا الموقع تكريما على وفائه للنظام في دمشق.
منتقد "ثورة الأرز" يبدو شرها في حب السلطة وساعيا لاستغلال الفراغ الحكومي، الذي يشارك في صياغته، ويعمل على مصادرة موقع السلطة التنفيذية بدعوات غير قانونية لجلسات تشريعية. "الحجة الدستورية" يطلق القاب الميثاقي والقانوني والدستوري على ما يريد من هيئات وينزعها عما يشاء، وبالتالي فإن تصرفه ليس مستغربا.
لقد سقطت "ثورة الارز" في كثير من الهفوات لأن ذلك الموج الهادر من اللبنانيين أخطأ حين توقف في محطة ليسمع كلمة مرجع أو قيادي، بل كان الاجدر والمطلوب ان يستمر في جرف كل ما يحمل سمات الماضي ويذكّر بممارسات من ذلك الزمن الرديء. كان حريا بشعب "ثورة الارز" ان يواصل الزحف من الساحة الى معاقل كل هؤلاء ليجتثهم مرة واحدة والى الابد ويرمي بهم الى أبعد مزبلة في المجرة.