لم ترَ قوى الرابع عشر من آذار في دعوة رئيس مجلس النواب نبيه برّي إلى عقد جلسة تشريعية في الثامن من حزيران المقبل، سوى محاولة لتغطية فشل فريق الثامن من آذار في تشكيل الحكومة أوّلا، والضغط على الرئيس المكلف نجيب ميقاتي ثانيا عبر جعله يتخلّى عمّا لم يتخلّ عنه من صلاحيات منذ تولّيه مهمّة التأليف.
ممّا لا شكّ فيه أنّ رئيس المجلس حضّر وكعادته بدهاء ملفت لخطوة الجلسة التشريعيّة، وإن كانت لا تزال موضع اختلاف بالرأي حول دستورية انعقادها في ظل حكومة تصريف أعمال.
أمهل برّي المعترضين عشرة أيام قبل توجيه الدعوة إلى الجلسة، فاستفاد من غياب رئيس حكومة تصريف الأعمال سعد الحريري عن البلاد وتأخّر فريق الرابع عشر من آذار في تمرير اقتراح المرسوم الجوّال للتجديد لحاكم مصرف لبنان، وضرب ضربته!
أعدّ رئيس المجلس لخطوته بإتقان… أرسل موفدا، إلى البطريرك الماروني، يشرح حرص رئيس المجلس الشيعي على المنصب الماروني المتمثل بحاكم مصرف لبنان، ملمّحا في الوقت نفسه إلى أنه تخلّى عن مصلحة طائفته في أن يتسلم مهامّ الحاكم، نائبه الأوّل "الشيعي"، لمصلحة الحفاظ على رياض سلامة للموقع الماروني.
استعداد تشريعي
وباشر رئيس السلطة التشريعية العمل على اقتراح قانون تقدّم به معاونه النائب علي حسن خليل يقطع من خلاله الطريق أمام إمكان الطعن بعدم دستورية التجديد لحاكم مصرف لبنان كون التعيين يعود بحسب الدستور للسلطة التنفيذية فقط، وقضى اقتراح برّي المقرّر إدراجه على جدول أعمال جلسة الأربعاء إلى جانب مشاريع قوانين أخرى من بينها ملفّ السجون، بتعديل قانون الحاكميّة بمعنى أن يستمر الحاكم ونوّابه الأربعة، بأداء أعمالهم حتى تتشكل حكومة جديدة وتقوم بالتعيين.
لكن رئيس المجلس الذي جهّز لكلّ تفصيل جواب، فاته عامل أساسيّ من شأنه تطيير جلسة الثامن من آذار، فقرار انعقاد جلسة تشريعية في ظلّ حكومة تصريف أعمال نظرت إليه الطائفة السنّية بأنه تعدٍّ على صلاحيات رئاسة الحكومة، وبأنّه سابقة خطيرة من شأنها تثبيت عرف لا يمكن القبول به.
فهل أحرج الرئيس برّي صديقه الرئيس المكلف، الذي استعاد ثقة طائفته في تمسكه بالدستور وصلاحياته، فباتت مشاركته في الجلسة التشريعية وأيّ نائب سنّي وسطي، كمَن يشارك في نحر صلاحيّات الطائفة؟
وبحسب المعلومات، فإنّ الاجتماع الذي جمع برّي وميقاتي في عين التينة قبيل دعوة برّي للجلسة التشريعية، أفضى، وبسبب موقف الرئيس المكلف الرافض لانعقادها، إلى تأجيل موعدها إلى الأسبوع المقبل بانتظار بلورة الاتصالات، بعدما كان بري ينوي عقدها هذا الأسبوع، هذا وعلم أنّ رئيس جبهة النضال الوطني وليد جنبلاط اشترط حصر جدول الأعمال ببند وحيد متعلق بالتجديد لحاكم مصرف لبنان للمشاركة في هذه الجلسة.
في المقابل، وعلى خط متسارع، كثفت قوى الرابع عشر من آذار اتصالاتها تمهيدا لقطع الطريق أمام جلسة الأربعاء عبر اعتماد حلّ المرسوم الجوّال للتجديد لحاكم مصرف لبنان، وأعدّ الأمين العام لمجلس الوزراء سهيل بوجي نصّ المرسوم بعد التشاور مع رئيس الجمهورية ورئيس حكومة تصريف الأعمال، وكذلك الرئيس نجيب ميقاتي، وبقيت الأمور مرهونة بعودة الحريري للتوقيع على المرسوم وتأمين اتفاق سياسي جامع عبر الحصول على توقيع معظم وزراء تصريف الأعمال، الأمر الذي تبيّن لاحقا أنّه غير ممكن، في ظلّ اتجاه وزراء الثامن من آذار لرفض اعتماد حلّ المرسوم الجوّال والذهاب إلى مجلس النوّاب، عِلما أنّ مرسوم الدعم للبنزين صدر بتوقيع رئيس الجمهورية والرئيس الحريري والوزراء المعنيّين فقط.
حلّ السنيورة!
إقترح الرئيس فؤاد السنيورة، حلّا ثالثا وصفه بالمنطقي والدستوري الوحيد، يقضي بعقد جلسة استثنائية لحكومة تصريف الأعمال إذ إنّ الدستور ينصّ على عقد مثل هكذا جلسة عندما تقتضي المصلحة العليا للبلاد، وفي هذه الحال سلامة القطاع المصرفي وأموال الناس، وهكذا تستعيد الحكومة سلطتها الدستورية ولهذا الغرض فقط، وتجتمع وتتخذ قرار تعيين حاكم مصرف لبنان لولاية جديدة.
هذا الاقتراح حمله الرئيس السنيورة بالأمس إلى رئيس الجمهورية لعرضه عليه عشية لقائه الأسبوعي مع برّي، سعيا إلى تأمين توافق سياسي حوله، وعلم أنّ الرئيس سليمان لم يمانع عقد جلسة استثنائية لمجلس الوزراء شرط توفير فرص انعقادها وألّا يقاطعها فريق الثامن من آذار.
ردّة فعل الرئيس برّي هي المؤشر، خلال لقاء الأربعاء مع الرئيس، عِلماً أنّ أجواء رئيس المجلس بدت واثقة من نجاح انعقاد الجلسة التشريعية، وتحدّثت عن خرق داخل صفوف 14 آذار سيتمثل بحضور بعض نوّاب هذه القوى جلسة الثامن من آذار. أوساط برّي تردّ على أنّ المرسوم وإن صدر، فلن يحظى بتوقيع رئيس حكومة تصريف الأعمال بالقول: "عدم التوقيع لا يلغي حقيقة أنه أصبح قرارا، لأنّ المجلس النيابي سيّد نفسه، ورئيس الحكومة ملزم، بحسب أوساط برّي، بنشر القانون، وله الحق بالطعن أمام المجلس الدستوري، لكنه لا يستطيع أن يوقفه".
في أيّ حال، يفصلنا أسبوع عن موعد الجلسة التشريعية في الثامن من آذار، أسبوع حافل بالكباش السياسي محلّيا، وربّما مثقل بالتطورات إقليميّا، قد يعيد خلط الأوراق فتصبح كلّ تلك الاقتراحات والسيناريوهات في خبر كان.