
بات “الحلم الإيراني” على قاب قوسين أو أدنى مع توقع وصولها الى سلاح نووي على بعد أشهر، مهددة بذلك كامل الـ”status quo” العالمي. يحصل ذلك تحت أنظار المجتمع الدولي المنهمك بلملمة زوبعة خلافاته و”تخبيصاته”. وتسير إيران بخطى ثابتة نحو هدفها مستغلة تراخي وديماغوجية “أولياء الأمور” في الدول الممسكة بخيوط لعبة الشطرنج الدولية من جهة، وطبيعة المنظمات الدولية الواهية من جهة أخرى. في غضون ذلك، يقف لبنان عند مفترق طرق مصيري على أبواب انتخابات نيابية يصعب تقدير نتائجها مع التغييرات الجذرية التي طرقت على المشهد السياسي المحلي والإقليمي. لكن المؤكد الوحيد، أن تزامن هذا الاستحقاق مع الرياح الدولية المستجدة، يحمل في طياته تأثيراً متبادلاً: من خارج الحدود اللبنانية الى داخلها وبالعكس، وربما على الحدود ذاتها أيضاً.
وببراغماتية محنكة، تستنزف الجمهورية الإسلامية الإيرانية لعبة الوقت حتى ترجيح كفة موازين القوى لصالحها، متذرعّة بانتظار تولي حكومتها الجديدة زمام المسؤولية. أطاحت إيران محادثات فيينا الهادفة لإعادة احياء ما يمكن احياؤه من الاتفاق النووي بعد جولات ست، وإذ يعتقد محللون أن تمرير الوقت بتأجيل الولوج للمفاوضات، الذي لا مفر منه، هدفه تحقيق تقدم في الشق التقني من الشأن النووي كي تكسب إيران يداً عليا في الجولات المقبلة. ووسط تخبط إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن وتلاشي نفوذها الشرق الأوسطي بعد الانسحاب من أفغانستان الذي اعتبر نذير لسوء إدارة الانسحاب من المنطقة، تعالت دعوات أوروبية لاستئناف مفاوضات فيينا على وجه السرعة، فيما ارتفعت أصوات الخشية العربية من المراوغة الحاصلة.
وبين تأكيد وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لو دريان، على أن إجراءات الأمر الواقع الإيرانية تعقد العودة إلى طاولة فيينا، وتشديد نظيره السعودي الأمير فيصل بن فرحان على ضرورة وقوف المجتمع الدولي عند مسؤولياته تجاه اختراقات إيران المستمرة للاتفاقيات الدولية المتعلقة بالاتفاق النووي، أعلن وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبد اللهيان عن أن وزارة الخارجية ستتبع مسار قائد فيلق القدس في الحرس الثوري الإيراني الراحل قاسم سليماني، ما يُذكر بـ”تسجيلات ظريف” عن تأثير الميدان على الدبلوماسية الخارجية للبلاد، رافعاً بذلك سقف الريبة الدولية.
من جهة أخرى، يحاول الطرف الإيراني تضييع “الشنكاش” بالمحادثات الإقليمية عبر القنوات العراقية مع السعودية تارة، والتي وضعتها الأخيرة ضمن إطار “الاستكشافية” بوجه التضخيم الإيراني لها، وعبر الوفود الى الدوحة تارة أخرى. على الخط عينه، يتراقص النظام في طهران على حبال مناوراته. فبين تأكيد الالتزام بالاتفاقيات الدولية والبعد السلمي للأهداف النووية بتصريحات متكررة لمسؤوليه، وبين اعلان الرغبة بالعودة لطاولة فيينا من دون تحديد مهلة زمنية واضحة أو تاريخ محدد، يتواصل التوتر بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية.
أما في الملعب اللبناني، يترقب الجميع الاستحقاق الأبرز وخلط الأوراق المرتقب عند إعلان النتائج، أو ربما نسفه ونتائجه. وينتظر الرأي العام المحلي كما المجتمع الدولي الانتخابات النيابية بما ان الأول يراهن على تغيير الطبقة الحاكمة وبالتالي واقعه، والثاني ينتظر بلورة موازين القوى لبنانياً ليبني على الشيء مقتضاه ويحدد وجهة العلاقات مع لبنان، وبالتالي مصير الدعم المالي الدولي الذي أصبح أكثر من ضروري للنهوض من أزمته. وفي هذا السياق، يوضح المحلل السياسي سامي نادر أنه صحيح أن المفاوضات الدولية ليست “ناخباً” على أرض الواقع، الا أنه في كل استحقاق انتخابي تُبنى المعركة على “عدو” / خصم، وبالتالي مسار المفاوضات قد يُسهم في دفع القوى السياسية الى تمحورات معينة.
أما في ما خص اجراء الانتخابات من عدمه، أو ربما تأجيل موعدها الدستوري ريثما تنجلي الصورة الإقليمية، يجزم نادر أن ما من شيء مستبعد مع طبقة اعتادت التملص من الاستحقاقات والمواعيد الدستورية. ويشير الى أن اجراء الانتخابات من عدمها مرتبط بثلاثة أمور أساسية: الأول يكمن في توقع النتائج بحيث إذا وجدت المنظومة، وركنها الأساسي حزب الله، نفسها في موقع الخاسر، لن تتوانى عن “تطيير” الانتخابات. والأمر الثاني يرتبط بالضغط الشعبي والدولي لإجراء هذا الاستحقاق الدستوري. أما الأمر الثالث فيتعلق بنسبة المشاركة المتوقعة وهنا العلاقة عكسية بين نسبة الاقتراع وحصول الانتخابات، اذ ان انخفاض نسبة المقترعين يرفع من حظوظ أهل السلطة.
اما في قراءة ما بعد الانتخابات، ومهما أتت النتائج، فخلط الأوراق حتمي: ان أتت لصالح فريق حزب الله، فالنتيجة غياب للدعم الدولي مع نفور الدول العربية وهيمنة الولايات المتحدة على قرارات المنظمات المالية الدولية. أما إذا انعكست الأكثرية النيابية، وإذ يؤكد نادر أن الأمر أسهل مما يظهر، اذ يكفي قلب الدفة في الشارع المسيحي، فقد يؤدي ذلك لمراجعة الاتفاق الإيراني ـ الفرنسي في لبنان.
بينما تشهد المنطقة فترة لجم الهوة ما بعد الانسحاب الأميركي المحتوم منها وترسبات الفوضى الناتجة عنه، تحاول إيران تثبيت قدميها في رمال الشرق الأوسط المتحركة. ويرتكز النظام في طهران بذلك على رافعته النووية في المفاوضات، والأكيد أن ما بعد حصول إيران على غايتها ليس كما قبله، ويراهن على لعبة الوقت بعدما مرّ في أشد العهود صرامة تجاهه مع ولاية الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب وسياسة “الضغط القصوى”، اذ ان إيران امتهنت القفز فوق العقوبات والتمايل حولها. على خط متواز، يقف لبنان الغارق في أزماته على كف عفريت المفاوضات بين المجتمع الدولي وإيران متمسكاً بحبل نجاته الوحيد، الانتخابات النيابية، ريثما تنتشله من عتمة دوامة الصراعات ويرثو على بر حياده.
