كتبت رباب الحسن في صحيفة "اللواء" : عام 1989، وقّع اللبنانيون على اتفاق الطائف الذي اتخذوه دستوراً جديداً للجمهورية اللبنانية، الا أن هذا الدستور لم يطبّق بالكامل حتى اليوم، وما طبّق منه جزء ضئيل من المتبقي الذي يحتاج تطبيقه الى تأمين بيئة سياسية ملائمة بعمل على إنتاج دولة مؤسسات كما يفترض الإتفاق نفسه.
اليوم، ومع اطلاق الاصوات المتعددة لتعديل الطائف والتي كان ابرزها الموقف الذي اطلقه البطريرك بشارة بطرس الراعي الذي اعتبر ان اتفاق الطائف ليس منزلاً وفيه الكثير من الثغر، ويجب ادخال تعديلات عليه لا سيما ما خص صلاحيات رئيس الجمهورية.
قيادات سياسية عديدة توقفت عن موقف البطريرك الراعي، البعض اعتبره مطلباً محقاً وتبنّاه كـ"التيار الوطني الحر" وأطراف مسيحية اخرى، فيما اعتبره البعض الآخر انه جاء في غير أوانه نتيجة الوضع السياسي المعقد في البلد والإنقسام السياسي الحاد الذي لن يمكن الافرقاء السياسيين من البحث في تعديل الطائف وهم غير قادرين على البت في تشكيل حكومة.
والسؤال الذي يُطرح هل هناك اساساً إمكانية لتعديل اتفاق الطائف؟ وما هو المسموح به للتعديل وما هو غير المسموح به؟
وفقاً لما أعلنه رئيس "جبهة النضال الوطني النائب وليد جنبلاط والرئيس الدكتور سليم الحص فإن التعديل في المرحلة الراهنة صعب جدا، في وقت يعتبر فيه خبراء القانون والدستور ان لا امكانية لإدخال اي تطوير او تعديل لاتفاق الطائف طالما ان لبنان محكوم من قبل ميليشيات سياسية تحاول تشكيل الدولة وفقا لمصالحها وأهوائها بما فيها الدستور وليس وفقاً لمصلحة الوطن والمواطن.
وهو الامر الذي يؤكد عليه النائب السابق والخبير القانوني الدكتور صلاح حنين الذي يعتبر انه من "المستحيل في ظل وجود سلاح "حزب الله" الحديث عن تعديل للطائف لأن الغلبة عندها ستكون للسلاح الضاغط على الجميع، ناهيك عن الانقسام السياسي الحاد الذي يطبع الساحة السياسية اللبنانية".
ورأى "ان التعطيل الحاصل اليوم في المؤسسات سببه سوء النوايا، وروح الغلبة لفريق سياسي على آخر، وعدم وضع الأفرقاء السياسيين نصب أعينهم مصلحة البلد والمجتمع وازدهارهما وتطورهما، بل على العكس هناك فريق يريد أخذ البلد بإتجاه الحرب، وفريق آخر لامبالي، وليس لديه خطة للعمل السياسي، ويعتبر ان من حقه الوصول الى الموقع الذي وصل اليه وكأنه ورث هذا الموقع او ذاك بالإرث او كأنه حق من حقوقهم، من دون ان يدركوا ان وصولهم الى مواقع المسؤولية تعني ان عليهم واجبات تجاه بلدهم ومجتمعهم"، متسائلاً: "هل ان ما يُطرح اليوم من تعديلات على الطائف والمناداة بطائف ثانٍ سنعمل عليه <بالعدة السياسية الحالية".
وقال:"نحن نعيش حالة عجز مطلق عن انتاج سلطة، وأي تكوين سياسي لا ينتج سلطة يعتبر ميتاً، وبأن السبيل الوحيد لانتاج السلطة هو تطبيق اتفاق الطائف فعلياً، والعودة للدستور، معتبرا ان الفرقاء السياسيين الموجودين على الساحة لا مشروع لديهم".
واضاف: لا شك ان هناك ثغرات في اتفاق الطائف يجب ايجاد حل لها، إنما المشكلة الحقيقية في الطائف انه غير مطبق "ففي البلاد الحضارية يتم وضع القانون ويطبّق، وتتم مراقبة ثغراته وحسناته وتطوّره"، ولكن في بلدنا الامور مغايرة، فالدستور لم يطبق كاملاً حتى اليوم، فلنبدأ بتطبيقه لنرى النوايا الحسنة تجاهه، ولنعالج موضوع السلاح بشكل دستوري وليس لمصلحة "حزب الله" او غيره، وعندها نراقب التطبيق ونرى مدى امكانية التطوير ليكون الدستور فاعلاً اكثر أو نتوصل الى توافق على ضرورة الانتقال الى دستور جديد.
سائق سيّىء جداً
ويشبه حنين الوضع الحالي بسائق السيارة السيّىء جداً، الذي لا يعرف كيفية الاقلاع بالسيارة او فرملتها عند اللزوم، ويدخلنا في حوادث مستمرة، فماذا نفعل حينها هل نغير السيارة ام السائق؟
وهذا هو الوضع في بلدنا، فالحل بالنسبة لنا ليس "بتغيير السيارة التي يحطمها السائق يومياً وانما بتغيير السائق او تدريبه او تطويره او تأهيله".
وهو ما يجب القيام به في مجتمعنا السياسي من خلال تهذيب انفسنا سياسياً، ونطبق الطائف الذي بين ايدينا، وبعدها نتحدث عن التقدّم والتطوير.
وعن إمكانية إحداث تطوير في الطائف لا سيما لناحية صلاحية رئيس الجمهورية في ظل الاوضاع الانقسامية الراهنة، اوضح حنين ان صلاحيات الرئيس قبل الطائف كانت تقتصر على كلام محدد في الدستور وينص على ان من صلاحية رئيس الجمهورية "تأليف الوزارة ويعيّن الوزراء ويقيلهم ويعيّن من بين الوزراء رئيساً عليهم، ولكن هذه المسألة لم تحصل ولا مرة بهذه الطريقة، حيث يكون للتوافق بين رئيسي الحكومة والجمهورية الغلبة في هذا الشأن".
وفيما خص مجلس النواب فكان من صلاحياته قبل الطائف حل مجلس النواب، وايضاً لم يستخدم رئيس الجمهورية هذه الصلاحية ولا مرة، مشيراً الى ان حل مجلس النواب قبل وبعد الطائف كان ولا يزال توافقياً ما بين رئيسي الجمهورية والحكومة مع تحديد الحالات التي يحل فيها مجلس النواب. وإذ أكد ان الصلاحيات المعطاة لرئيس الجمهورية والتي توحي بأنها مطلقة، كان الواقع السياسي يفرض العمل بها بموضوعية معينة، مشيراً الى "ان الدستور حدد صلاحيات رئيس الجمهورية فهو المسؤول الاول عن عملية تأليف الحكومة، وهو الذي يصدر مرسوم تشكيلها، كما انه المسؤول الاول عن تولي المفاوضات في المعاهدات الدولية بالاتفاق مع رئيس الحكومة، ويترأس مجلس الوزراء عند حضوره"، إذاً هناك دور لرئيس الجمهورية واضح وصريح، ولكن رؤساء الجمهورية المتعاقبين تغاضوا عن هذه الصلاحية وحتى اليوم لا يمارس رئيس الجمهورية دوره الذي حدده الدستور"، معتبراً في مسألة تشكيل الحكومة ان الرئيس له في كل وزير فيها، ويجب الا يكتفي بمنحه عدداً محدداً من الوزراء، بل من صلاحياته تحديد مستوى الوزراء من الكفاءة، الى النزاهة، الى وعي المسؤولية، وعليه فمن حق رئيس الجمهورية التدخل في نوعية الوزراء الذين ينضمون الى الحكومة، وهي صلاحية لا يمارسها.
وكذلك الامر بالنسبة لترؤسه مجلس الوزراء، حيث يعمد الى "ادارة جلسة مجلس الوزراء كما يراه مناسباً"، ويضاف الى ذلك صلاحية اعتماد السفراء وهي صلاحية ايضاً لا يمارسها رئيس الجمهورية"، محمّلاً كلاً من رئيس الجمهورية مسؤولية عدم ممارسته لصلاحيته من ناحية، والفوضى السياسية التي يتخبّط بها البلد والمشارك فيها كل السياسيين في البلد".
49 دستور
ويلفت حنين الى "ان المادة 49 من الدستور منحت رئيس الجمهورية اهم مسؤوليات "فهو رمز وحدة الوطن والساهر على وحدة الاراضي وسلامتها والساهر على احترام الدستور"، الامر الذي يعني انه عند صدور مرسوم تشكيل الحكومة يكون رئيس الجمهورية مُنح صلاحية مهمة عليه توظيفها في الاتجاه الصحيح، كما انه الوحيد الذي منحه الدستور ايضاً التبعية في حال خرق الدستور، ولذلك عليه ممارسة صلاحياته كاملاً وبطريقة صحيحة وبمنطق سليم، وعندها سيكون لرئيس الجمهورية القدرة الاكبر على حماية البلد والدستور"، واصفاً الوضع الراهن "بلعب كرة القدم"، حيث يلعب فريقان في الملعب ضمن أصول محددة تنتج عنها نتائج محددة، ولكن إذا ما رمينا الكرة في المدرج فلن يكون هناك لعب، وهو ما حاصل عندنا اليوم حيث ان الكرة رميت على المدرج ولم يعد هناك أصول.
ولذلك، على رئيس الجمهورية العودة للأصول وممارسة صلاحياته وتكون له "الهيبة" الكافية لتنفيذ مهامه، وكذلك الامر بالنسبة لرئيسي الحكومة ومجلس النواب والوزراء والنواب، إذ ان على الجميع تحمّل مسؤولياتهم وممارسة مهامهم وصلاحياتهم كما حددها الدستور، والتي كانت عرفية سابقاً ولكنها اليوم مذكورة بوضوح وصراحة في الدستور ولكن يجب ان تمارس.
وانتقد حنين الوضع السياسي القائم في البلد حيث غاب عن الساحة رجال السياسة الحقيقيون والموجودون اليوم لا يمكنهم وضع دستور او تعديل اي دستور "ولا أؤمّن اصلاً لهم وحتى امنعهم من وضع دستور، لأنهم ليسوا على مستوى المسؤولية".
وعن الحلول الممكنة اعتبر حنين "ان النقطة الاساسية تكمن في العودة الى الضمير الوطني، والاصول القانونية والدستورية، وتغيير المشهد في مجلس النواب من خلال قانون انتخابي يعتمد الدائرة الفردية او القضاء بحيث يقترع الناخب لمرشح واحد، وعندها يصل الى مجلس النواب من هم على تواصل مع المجتمع وليس الإتكال على "المحادل" التي عانينا منها طوال السنوات الماضية والتي جعلت من النواب عسكراً في "اللوائح" ليصل الى المجلس.
وقال: "نحن نحتاج الى قانون وإن حافظ على وجود النواب الحاليين، إنما يجب ان يأخذ حجمه الطبيعي ويترك مكاناً للآخرين من مستقلين واصحاب الكفاءة ونترك للناخب حرية الاختيار، وكسرنا التحالفات الكبيرة وابتعدنا عن الاصطفافات، مشدداً على ان الحل الاساسي يكمن في وجود ارادة للتطوير وبالثورة على النفس وارادة المواطن بقول "كفى"، وعلى جميع العرب من لبنان الى غيره من البلدان الاخرى ان يفهموا ان زمن الديكتاتوريات وتجميع الثروات من الحكم والتسلط زمن ولَّى، وعندنا ايضاً في لبنان أن نبدأ بعملية التغيير وإنهاء الواقع الراهن ويكون لنا ارادة بقول "كفى" والدخول في التغيير، مؤكداً ان وضع قانون انتخابي جديد وعصري سيكون بداية هذا التغيير.