يوم امس كانت مفاجأة النظام في سوريا كبيرة عندما خرجت في كل انحاء سوريا أضخم التظاهرات الاحتجاجية منذ الخامس عشر من آذار 2011. وازاء المفاجأة كان الرد الدموي على المتظاهرين العزل بمزيد من القتل، بحيث ان "جمعة اطفال الحرية" كانت الاكثر دموية ولا سيما في حماة مدينة الشهداء بإمتياز بالمجزرة التي ارتكبتها قوات الامن. واليوم يمكن القول ان الحركة الاحتجاجية في سوريا تحوّلت ثورة حقيقية من حيث شموليتها الجغرافية، ومروحتها الاجتماعية الواسعة، والاهم ان المطالب الاصلاحية تراجعت لكي يحل مكانها مطلب واحد وحيد هو اسقاط النظام. ففي يقين ثوار سوريا ان النظام الحالي غير قادر على الاصلاح ولا الاصطلاح. انه نظام لا ينتمي الى العصر ومعه لا يمكن بناء مستقبل واعد لسوريا.
ومع انتهاج النظام ورئيسه بشار الاسد خيار الدم تعمقت اقتناعات السوريين بأن الحوار مع القتلة غير ممكن. ففي مؤتمر المعارضة في مدينة انطاليا التركية كان الموقف حاسما من الحوار مع النظام، وكان الرد الرافض لمرسوم العفو الذي اصدره الرئيس السوري باعتبار ان الاسد الابن نفسه هو من يحتاج الى من يعفو عنه بعدما تلطخت يداه بدماء مئات السوريين الاحرار وبينهم نساء واطفال وشيوخ. هكذا وصل النظام في سوريا الى حائط مسدود: فالثورة تترجّح في كل مكان وتتوسع رقعتها على مختلف المستويات الجغرافية العددية والاجتماعية، ويرافق ذلك تصاعد في الموقف الخارجي المندد بقتل المدنيين، وعلى المقلب الآخر يتوغل الاسد الابن ومحيطه في خيار القتل كوسيلة وحيدة للتعامل مع حقوق السوريين المشروعة، وهي وسيلة ورثها عن ابيه حافظ الاسد الذي اورثه "جمهورية الخوف والصمت" فخسر لبنان بسياسات رعناء، وها هو اليوم يخسر سوريا نفسها لأنه لم يفلح في فهم روح العصر، ولا في فهم شعبه وتطلعاته.
ان المجزرة التي ارتكبت البارحة في حماة وغيرها من المدن الثائرة على النظام هي اقصر الطرق لسقوط النظام، والى تحول الرئيس بشار الاسد سريعا رئيساً فاقداً للشرعية.
ان النظام لن ينقذ نفسه بالدماء التي يهدرها في الشوارع والساحات، ولا بالارواح التي يزهقها في كل مكان، ولن يبقى الرئيس بشار الاسد رئيسا على دماء السوريين، ولن تكون هناك من سلطة قادرة على البقاء في مواقعها. فالثورة السورية صارت حقيقة يجب الاعتراف بها داخليا وخارجيا، عربيا ودوليا.
ان الثورة في سوريا هي امثولة لكل العرب. ولأنها ثورة حقيقية تتعمد بالدم الطاهر فإنها لن تنقل سوريا الى عصر الحرية والكرامة والديموقراطية إلا مع تصفية ارث الرئيس الراحل حافظ الاسد كنظام واسلوب حكم. فقد آن الاوان لكي يسترجع السوريون بلدهم ولكي يحظوا بمستقبل مغاير لحاضرهم الاقرب الى الموت منه الى الحياة.