كتب حسن شلحة في "اللواء":
رغم محاولات فريق الأكثرية الجديدة بث موجات تفاؤل بين حين وآخر لإبقاء الروح قائمة في قضية تشكيل الحكومة الجديدة، ورغم إعلان الرئيس نجيب ميقاتي المكلّف تشكيل الحكومة أكثر من مرة أن الاعتذار غير موجود في قاموسه ونهجه، فهو من القيادات التي تتصف عزيمتها بالصلبة، ورغم ما لديه من الخبرة الواسعة على تدوير الزوايا فهو يعمل فقط على تقطيع الوقت، ورغم أن أمين عام حزب الله حسن نصر الله في إطلالته الأخيرة حاول ضخّ دم جديد في شرايين الاتصالات القائمة من أجل تشكيل الحكومة، ويُضاف إلى ذلك ما يصدر في بعض الأحيان من تسريبات عن استمرار جهود الخليلين وتواصلهما مع الرئيس ميقاتي وبري والنائب ميشال عون.
فكل ذلك حتى الآن لم يُزِلْ الضبابية القاتمة والمسيطرة على موضوع تشكيل الحكومة• فهذه المحاولات لم تستطع أن تحلّ العُقد المتراكمة أمام تظهير الحكومة الجديدة، فقد تبيّن أن القوى المناط بها تشكيل الحكومة من أكثرية جديدة إضافة إلى الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي ومعهم النائب وليد جنبلاط، أنهم عاجزون عن الوصول الى السر الموصل إلى حلحلة العُقد، وليس أمامهم سوى خيار واحد وهو العودة إلى الثوابت بجعل الوحدة الوطنية في مقدمة الأولويات.
ويرى مصدر سياسي ان الاكثرية الجديدة مكوّن هجين تم جمعه على عجل، ولذلك كل طرف من هذا المكوّن له رؤيته واهدافه، فحزب الله وميشال عون يوجد توافق بينهما حول الكثير من القضايا وفي مقدمها عزل الرئيس سعد الحريري وفريق 14 آذار، الرئيس نبيه بري حالة قائمة بذاتها وما يجمعه مع حزب الله وعون الضغط السوري وكذلك الشارع الشيعي الرافض لأي حالة انقسام بين قياداته، اما النائب وليد جنبلاط والرئيس نجيب ميقاتي فقد دفعا دفعاً ليكونا في اطار اكثرية جديدة للاطاحة بحكومة الحريري، ولذلك وجدنا المكوّن الجديد للاكثرية لم يستطع ان يتغلب على العقد الداخلية التي ساهمت في عدم تشكيل الحكومة رغم مرور اكثر من اربعة اشهر على تكليف ميقاتي.
ويضيف المصدر السابق ان الاكثرية الجديدة عندما اطاحت بحكومة الوحدة الوطنية لم تكن على دراية أو لم تستطع ان تقرأ جيداً المؤثرات الداخلية والخارجية على المسار السياسي اللبناني، فعندما اتخذت القرار بإقالة حكومة الحريري، استجابت فقط للتأثير السوري وهو لا شك فاعل ومؤثر ولذلك استطاع ان يضم للاقلية (8 آذار) جزء اساسي من اللقاء الديمقراطي بزعامة وليد جنبلاط والرئيس ميقاتي ومعه النائب احمد كرامي والوزير محمد الصفدي، ولكن هذه الاكثرية في ذات الوقت تجاهلت عوامل اخرى عربية واقليمية ودولية، ولم تضع في حساباتها السياسية ان هناك لاعبين آخرين لمواقفهم الاثر البالغ في توجهات المسار اللبناني.
يعمل النائب جنبلاط على تكوين كتلة وسطية، خاصة بعدما وجد ان الاكثرية الجديدة عاجزة عن تشكيل الحكومة رغم الدعم السوري الواضح لها، هذا اضافة الى عدم انسجامه مع نهج العماد ميشال عون الذي ذهب بعيداً في مطالبه الوزارية وكذلك في معاداته للشارع الاسلامي السني وقيادته الممثلة بالرئيس سعد الحريري.
فالنائب جنبلاط فوجئ بالموقف الحاسم للمملكة العربية السعودية من الانقلاب الذي اطاح بحكومة الرئيس سعد الحريري، وهو اعلن ذلك في احدى لقاءاته التلفزيونية عندما تبلغ ذلك عبر مكالمة هاتفية يوم 25 كانون الثاني الماضي بعد تصويته لصالح تكليف الرئيس نجيب ميقاتي، من رئيس المخابرات السعودية الامير مقرن بن عبد العزيز للوزير غازي العريضي قائلاً له: "أبلغ وليد جنبلاط بأن علاقته بالملك عبد الله قد انقطعت"، ويذكر ان جنبلاط كان وثق علاقته بالملك عبد الله بن عبد العزيز منذ سنوات عندما خاطبه في احدى لقاءاته به في الرياض "يا جلالة الملك اريد منكم ان تعتبروا الدروز في لبنان احدى القبائل التي تنطوي تحت عباءتكم•• "، وبذلك استطاع جنبلاط ان ينشئ علاقة خاصة مباشرة بالملك عبد الله وهي علاقة سياسية ومالية بعيداً عن الرئيس سعد الحريري، كما اعلن جنبلاط في احدى لقاءاته التلفزيونية (قبل التصويت لصالح ميقاتي انه في حال وجهت له دعوة لزيارة طهران فإنه قبل اعطاء الموافقة سيستشير الملك عبد الله وعليه يقرر زيارة طهران ام لا).
وفي هذا السياق سمع جنبلاط من المسؤولين الفرنسيين اثناء زيارته لباريس في بداية الشهر الماضي كلاماً واضحاً فيما يخص التطورات السياسية في سوريا وكذلك في تشكيل الحكومة الجديدة في لبنان لم يمنحه التفاؤل الذي كان يأمله.
وايضاً سمع كلاماً اكثر قساوة وحدة من امير قطر الشيخ حمد بن خليفة الاسبوع الماضي عندما قصد الدوحة بزيارة لمدة ثلاثة ايام لم يمكث فيها اكثر من ثلاث ساعات، مما جعل جنبلاط ينسى انزعاجه مما سمعه من القادة الفرنسيين، فالأمير القطري عاتبه على مشاركته الاطاحة بالأكثرية السابقة، ومن ثم إقالة حكومة الوحدة الوطنية وهي احدى نتائج مؤتمر الدوحة، فجنبلاط ادرك يقيناً ان ما بعد زيارته لباريس والدوحة ليس كما قبلهما.
الرئيسين ميشال سليمان ونجيب ميقاتي ليسا اقل تشاؤماً من جنبلاط فيما يخص الموقفين الاقليمي والدولي، فهما ادركا بأن حكومة من لون واحد من الاستحالة تسويقها عربياً واقليمياً ودولياً، فالموقف الاميركي والاوروبي والتركي والعربي واحد من حكومة الاكثرية الجديدة، فهذه الاطراف ترى ان الحكومة الجديدة هي حكومة خاضعة لحزب الله وسوريا، ولذلك وضعت الادارة الاميركية وكذلك اوروبا امامها شروطاً يصعب تنفيذها من الاكثرية الجديدة، وهذا ما أكده مساعد وزير الخارجية الاميركية جيفري فيلتمان اثناء زيارته الاخيرة لبيروت، وهذه الشروط كما اعلنت من فيلتمان ورددتها اكثر من مرة السفيرة الاميركية في بيروت كونيللي "موقفنا من الحكومة الجديدة يتحدد وفق شكلها (أي ممثل للجميع أم لفريق واحد)، ومضمون بيانها الوزاري، والتزاماتها بالقرارات الدولية والمحكمة الدولية الخاصة بلبنان".
مكمن الخطأ كان في بداية العام عندما تمت الاطاحة بحكومة الوحدة الوطنية، ومن ثم إفشال الوساطة القطرية – التركية عبر ابلاغ رئيس الوزراء القطري حمد بن جاسم، ووزير خارجية تركيا من موفد خاص للسيد حسن نصر الله "ان لا عودة لسعد الحريري الى رئاسة الحكومة".
ومنذ تلك الساعة بدأت العقد تتراكم امام تشكيل الحكومة الجديدة، حيث بات اغلب مكونات الأكثرية الجديدة يدرك جيداً حجم تأثيرها على تظهير الحكومة، ويضاف الى ما سبق ما يراه كثيرون بأن لبنان وضع في غرفة الانتظار لغاية جلاء مسار الاوضاع في سوريا، وكذلك الى حين صدور القرار الاتهامي عن المدعي العام الدولي دانيال بلمار في قضية الرئيس الشهيد رفيق الحريري حيث المؤشرات تدل الى ان صدوره بات قريباً.
ولذلك، ما تسعى اليه بعض اطراف الاكثرية الجديدة من بث جرعات تفاؤل ما هي الا مسكنات لن تشفى حالة مرضية باتت تتطلب علاجاً في اتجاه آخر.