#adsense

لا تعلِّموا البطريرك نصرالله صفير

حجم الخط

لا تعلِّموا البطريرك نصرالله صفير

يعرف البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير ان الحكومات الائتلافية او حكومات الوحدة الوطنية والوفاق الوطني تفرض نفسها في الدول التي تواجه اخطاراً مصيرية داهمة ولا تستطيع التغلب على هذه الأخطار الا بالوحدة على كل صعيد، وخصوصاً على صعيد السلطة التنفيذية التي تمثلها الحكومة. ولم يكن في حاجة الى من يلفت نظره الى هذا الامر سواء من السياسيين او الزعماء والقادة. لكنه يعرف في الوقت نفسه ان حكومة من النوع المذكور لظروف كالمشار اليها اعلاه يفترض ان تكون ذات رؤية موحدة للمشكلات بل للأخطار التي يواجهها الوطن سواء من الداخل او من الخارج وان يتفق اعضاؤها على معالجة واحدة لها. ويعرف ايضاً ان امتلاك حكومة الوحدة او الوفاق الرؤية الموحدة والمعالجة الواحدة لا يمكن ان يتحقق الا اذا كان ابناء البلد الذي يفترض ان تحكمه بل ان تنقذه حكومة كهذه متفقين على الاساسيات، اي على الامور التي تجعل من الوطن وطناً لجميع ابنائه ومن الدولة دولة فعلية ولجميع المواطنين ومن القانون وسيلة لارساء العدالة وتحقيق المساواة بين الجميع. وهذا يعني ان عليهم، اي ابناء البلد، ان يكونوا متفقين على اي بلد يريدون، اي على اي نظام يحكمهم، وعلى اي صيغة او تركيبة.

وكي لا يبقى هذا الكلام عمومياً، لا بد من الاشارة الى المانيا التي طالما اعتبرها احد القادة الكبار في لبنان مثالاً في موضوع حكومة الوحدة الوطنية التي سعى اليها طويلاً مع حلفائه في 8 آذار. فالمانيا هذه، بعد آخر انتخابات نيابية فيها، اضطرت الى حكومة وحدة وطنية لان الحدود بين الاكثرية والاقلية النيابية فيها لم تكن واضحة كثيراً او بالاحرى كانت قريبة جداً بعضها من بعض، ولان الاستقرار الالماني، غير الوجودي طبعاً، اقتضى تفاهما على حكومة وحدة وطنية. لكن هذه الحكومة لم تؤلف الا بعدما توافق قطباها الرئيسيان على برنامج عمل سياسي اقتصادي ومالي واجتماعي الى آخر ما هنالك من امور وعلى وسائل تنفيذه. ولم يكن طبعاً من ضمن القضايا التي اتفق على معالجتها في اطار بيان وزاري اي قضية جوهرية عن وحدة الدولة الالمانية أو وحدة شعبها او حقها في ممارسة سلطتها على مواطنيها والمقيمين على اراضيها، وكذلك حقها في رفض قيام دويلات داخل الدولة الالمانية ورفض التخلي لها عن قرارات سيادية تتعلق بالسلم وبالحرب ورفض الموافقة على امتلاكها سلاحاً خارج إطار المؤسسات العسكرية والدفاعية الوطنية. فهل ان حكومة الوحدة الوطنية التي "يطبّل ويزمّر" الجميع لها في لبنان تشبه حكومة الوحدة الالمانية او حكومة الوحدة الوطنية عندما يفرض الخطر الداهم من العدو الاسرائيلي اللجوء اليها او اي حكومة وحدة اخرى في اي دولة ديموقراطية ومتقدمة؟ والجواب هو طبعاً لا. وفي وضع كهذا لا يمكن الا ان تتسرب الشكوك الى نفوس اللبنانيين أو على الاقل الى نفوس الذين منهم لم تنخرهم سوسة الطائفية او المذهبية او الحقد والانتقام او الانانيات الشخصية والمصالح الخاصة. ومن هذه الشكوك ما يمكن التعبير عنه باسئلة عدة. منها:

هل ان حكومة تضم الغالبية والاقلية مع ثلث معطل للأقلية تستطيع ان تنتج، علماً انها لا تتبنى مجتمعة برنامجا حكومياً واحداً تلتزم امام الشعب او الشعوب عبر ممثليها في مجلس النواب تنفيذه؟

وهل ان حكومة الوحدة الوطنية التي اتفق في الدوحة على تشكيلها وسعى الرئيس السنيورة الى تأليفها بمساعدة من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ومن قطر والسعودية وربما من ايران وسوريا، هي حكومة ظروف استثنائية طارئة تستقيل بعد التصدي لها ومعالجة كل القضايا المصيرية التي برزت اثناءها وتالياً تفسح في المجال امام عودة اللعبة الديموقراطية، على هشاشتها وبدائيتها في لبنان، بحيث تتشكل الحكومات من الغالبيات النيابية وتتولى الاقليات النيابية محاسبتها في مجلس النواب؟ ام ان حكومة الوحدة الوطنية اللبنانية التي فرضتها ظروف لا علاقة لها بالاختيار الحر للبنانيين بل بمجموعة عوامل محلية واقليمية تعذّر تخطيها وخصوصاً بعدما وضعت البلد على شفير حرب اهلية ومذهبية، ستكون مهمتها الوحيدة فقط اجراء الانتخابات النيابية ربيع السنة المقبلة مع ما يعنيه ذلك من توظيف كل فريق فيها ما في يديه من حقائب لاستمالة الناخبين بصرف النظر عن المصالح الفعلية للوطن والمواطنين؟

وفي حال فازت في الانتخابات المذكورة الغالبية الحالية فهل ستسمح لها الاقلية التي هي الآن اقلية بالحكم كما وعد قادتها البارزون اكثر من مرة، ام انها ستستعين بكل القضايا الصعبة والمتفجرة مثل المذهبية والطائفية والقضية القومية والاسلامية الاولى بغية احباط نتائج الانتخابات عملياً وتعطيل البلاد، اذا لم تفرض نفسها شريكاً في حكمها؟ اي هل ان توافقية او شراكة الدوحة هي الغاء لبرلمانية الطائف وديموقراطيته؟ الى ذلك هل يؤدي فوز الأقلية اليوم بالانتخابات غداً الى قيام حكومة غالبية تمسك بالدولة بكل مفاصلها الامنية والسياسية والعسكرية والادارية وتحول تالياً دون تداول ديموقراطي فعلي للسلطة في المواعيد الدستورية لاحقاً؟ اي هل تكرر هذه الحكومة التجربة الديموقراطية المزورة او على الاقل الناقصة جدا التي مارسها نظام لبنان تحت الوصاية السورية منذ 1989 حتى 2005؟

كل هذه اسئلة مشروع طرحها. وهي لا تنطوي على تشكيك مسبق في نيات اي فريق، كما انها ليست احكاما مسبقة على نيات اي فريق، علماً ان من يرفضون الحكم على النيات هم من يمارسونه في استمرار. والهدف منها لفت كل القادة والزعماء الى ان الناس على انتماءاتهم المتنوعة والمتناقضة يعرفون كل شيء، بل ربما يعرفون اكثر مما يظن قادتهم انهم يعرفون. ولذلك فان معاملتهم كراشدين وكجاهلين امر مؤذ للبلاد هذا اذا كانوا (اي القادة كلهم) يهتمون لامر البلاد.

المصدر:
النهار

خبر عاجل