كلام الأسد على السلاح مزيد من المرونة استباقاً لزيارة باريس
أي استراتيجية دفاعية يضعها لبنان لزمن السلام؟
استبق الرئيس السوري بشار الاسد في الحديث الذي ادلى به الى صحيفة "لوفيغارو" الفرنسية عشية توجهه الى باريس للمشاركة في قمة اتحاد المتوسط، المؤشرات الايجابية التي طلبها منه الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي وكررها مستشاره كلود غيان في حديث متلفز مساء الاحد الماضي على شاشة التلفزيون الفرنسي، اذ ربط غيان احتمال زيارة ساركوزي لدمشق باعتراف سوريا باستقلال لبنان، أي باقامة علاقات ديبلوماسية بينهما في حين قال الاسد انه كان سباقا في طرح الامر على اللبنانيين الذين بدا أنهم هم من رفض ذلك وليس سوريا مما ادى الى تأخر الاعتراف بلبنان وبما يحصل على صعيد المفاوضات الثنائية بين سوريا واسرائيل. وقد وجّه الاسد رسالة ضمنية بانه سيطلب رعاية فرنسية مكملة للرعاية الاميركية الضرورية لهذه المفاوضات، مما يوحي ان الاسد ذلل مسبقا العراقيل امام زيارة محتملة للرئيس الفرنسي لدمشق. الا ان الاهم في سياق حديث الرئيس السوري هو ما اورده في رده على سؤال يتعلق بسلاح "حزب الله"، اذ انه لم يرفض الاجابة عن السؤال من منطلق ان لا علاقة لبلاده به باعتبار ان سوريا باتت خارج لبنان وليست معنية بما يجري داخله في المبدأ، على ما دأب الرئيس السوري على قوله لزواره من الديبلوماسيين الذين كانوا يطالبونه بالضغط على "حزب الله" في ما يتعلق بالوضع في الجنوب ومساعدة الدولة اللبنانية على ان تكون سلطتها هي الوحيدة في لبنان، بل هو ردّ على سؤال عما اذا كانت سوريا ستساعد في نزع سلاح الحزب، بأن المسألة اكثر تعقيدا، ولن يكون ثمة داع لحمل السلاح متى تم السلام في لبنان وسوريا وفلسطين.
الجواب ذاته ليس جديداً لا في المضمون وفي الشكــل، انما يؤشــــر، بالنسبـــة الى متابعين ديبلــوماسيين عشيـــة توجه الاسد الى باريس كاسراً عزلة دولية طويلة، الى جملة امور من بينها:
ان سلاح الحزب ليس لبنانيا داخلياً صرفا، وليس مرتبطا بروزنامة داخلية بحت ما دام ايجاد حل له او بطلان اسباب حمله لا تتصل باستعادة الجولان السوري في المفاوضات الجارية بين اسرائيل وسوريا بوساطة تركيا فحسب، بل ايضا بايجاد حل للقضية الفلسطينية. وهذا امر قد يستغرق خمسين سنة اخرى او اقل. لكن الاهمية ليست في هذه النقطة بل في كون الاسد فتح الباب للحديث في موضوع كان ممنوعا الحديث فيه حتى الآن، الى جانب مواضيع اخرى، كاحتمال عقد لقاء بين الاسد ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، او احتمال تحول المفاوضات غير المباشرة الى مباشرة.
والمؤشر الابرز الى ذلك مواقف القياديين في "حزب الله"، التي تتفاوت بين التساهل ازاء التحاور حول استراتيجية دفاعية يراد منها على الارجح ان تشكل غطاء لسلاح الحزب، وبين بقاء هذا السلاح الى ابد الآبدين. لا بل ان الاسد ربط هذا السلاح بمدة معينة، بمعنى ان انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا ومن الجولان سيفتح مناقشة قوية حول جدوى استمراره، وان يكن ربطه في المبدأ بموضوع السلام في فلسطين ايضا، في حين ان ايران ترفض كليا البحث في موضوع السلاح وتعتبره ابديا ايضا. وفي هذا الموقف السوري مرونة تَشي، وفق المتابعين، بأحد أمرين: ان ما يجري على مسار السوري – الاسرائيلي كما في المنطقة، وان يكن غير واضح المعالم كليا، لكنه يجري على مسارات متعددة منها الفلسطيني ومنها السوري، وحتى اللبناني، اي انه متعدد الاتجاه والنتيجة. ومن غير المستبعد ان يندرج كلام الاسد في اطار التحضير لما قد يحصل او يعلن فجأة حصوله على المسار السوري – الاسرائيلي، باعتبار ان كلاما من هذا النوع يفتح الابواب ويهيئ النفوس امام شتى الاحتمالات. ثم ان المرونة في ربط موضوع السلاح بمدة معينة يثير تساؤلات عن جدوى الحوار في استراتيجية دفاعية يتم الاعداد لها لزمن الحروب وليس لزمن السلام ما دامت الحاجة تنتفي الى السلاح.
من جهة اخرى ان كلام الاسد الذي لم يجب عن السؤال حول سلاح "حزب الله" بانه يجري التحضير للبحث فيه على طاولة الحوار في لبنان او بان الموضوع لبناني في الدرجة الاولى، ترك الباب مفتوحا من خلال ربط هذا السلاح بالسلام بقوله ان لسوريا كلمة تقولها في هذا المجال. فالموضوع مطروح على ما هو معروف على طاولة البحث الثنائي بين اسرائيل وسوريا، ويمكن سوريا ان تبيع وتشتري ايضا في هذا المجال مما يترك الهامش واسعا للاعتقاد ان الكثير من اللغو والكلام الذي لا طائل منه يجري في الداخل اللبناني، في حين ان البت سلباً او ايجاباً لهذا الموضوع لا يتصل بالافرقاء اللبنانيين حصراً، اذا يمكن اي طرف داخلي ان يبيع الحزب مواقف داعمة لا تنتهي، أو يمكن ان يتصدى لاستمرار حمل الحزب سلاحه واستخدامه في الداخل، لكن واقع الأمور هو عملية السلام اذا كانت ستشهد تقدما فانها لن تحصل من دون اثمان.