الموسيقار الارستقراطي عزف نغمته الاخيرة. وليد غلمية. دكتور السمفونيات. وليد غلمية كبير آخر يرحل على غفلة. الموت. دائما الموت، الطير الاسود الذي يتربّص بأحلى الناس. لا يحق لنا أن نقول ذلك. الله يختار متى يشاء أن يسترد ودائعه. كانت وديعة ثمينة على أرض لبنان.
ابن مرجعيون بلكنته الجنوبية البلديّة، التي لم تغلبها يوما لغة المدينة ولا ضوضاؤها، صار موسيقارا كبيرا، رئيسا للكونسرفاتوار الوطني، ارتقى بمستوى المعهد الموسيقي الرسمي الوحيد في لبنان، الى مصاف المعاهد الدولية، لكنه بقي ابن البلدة الجنوبية، مرجعيون، ولاجل ذاك الجنوب الّف واحدة من سمفونياته الست.
ونحن صغارا تعرّفنا اليه للمرة الاولى في احدى دورات برنامج "ستوديو الفن". كنا نخاف منه لانه لا يضحك، ونستاء من أحكامه المبرمة بحق الهواة، ونقول "شو قاسي هالاستاذ "، وأبي يجيب "هيدا أعظم رجّال بلجنة الحكم". كبرنا قليلا وعرفنا عظمة الرجل. كان يريد هواة من وزن ماجدة الرومي ومنى مرعشلي وعبد الكريم الشعّار وأمثالهم، ليصنع مجد لبنان الفني.
كبرنا قليلا وصرنا نتابع الدكتور غلمية. نعشق اطلالاته النادرة. نلاحقه مع مطربة الاوبرا اللبنانية هبة القوّاس. نلتقط أخباره من هنا وهناك. اخر مواقفه الكبيرة كانت عندما أكد على لبنانية النشيد الوطني اللبناني، وذلك اثر "اكتشاف" غسان الرحباني ان لحن النشيد "مسروق". ضحك غلمية وقال لزميلة في احدى المجلات الاسبوعية "هذه سخافة"… نتحدث عن وليد غلمية. فكيف نقحم معه آخرين لا يشبهونه بشيء؟!
عزف الموسيقار آخر سمفونياته في الحياة. ترك لنا لبنان يتأرجح بين تراث فني عريق، يشبه رائحة الارض عند أول مطرة، وبين فنون سخيفة تتلاعب بالنوتات، وتحاول أن تجعل من الفن لغة جسد فوق طاولة في مطعم.
هو ذهب، لكنه لم يذهب. علاماته كلها، بصماته كلها، مطبوعة على نوتات القلب، على نوتات لبنان.
