#adsense

قطاع الاتصالات ـ قصة مدينتين

حجم الخط

أدت ديناميكية قطاع الاتصالات وسرعة تطوره، الى نمو صناعة المؤتمرات التي تمكن صناع القرار والخبراء في المنطقة والعالم، من الالتقاء لتبادل الآراء ونقاش استراتيجيات التعامل مع التطورات المتسارعة في صناعة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات. وفي هذا الإطار يعقد في مطلع شهر حزيران من كل عام مؤتمر في العاصمة الأردنية عمّان يسبقه خلال شهر أيار مؤتمر في بيروت.
وقد لفت المشاركين في هذين المؤتمرين التباين الصارخ في أولويات وزارة الاتصالات والتي عادة ما تكون الجهة الراعية ويفوز وزير الاتصالات بافتتاح المؤتمر والمعرض الملحق به.

ففي عمان تحدثت الأميرة سمية بنت الحسين كعادتها في كل عام عن رؤية المملكة للقطاع والهدف الذي حدده الملك لجعل الأردن المركز الإقليمي لهذه الصناعة وخصوصاً في مجال انتاج المحتوى الرقمي (ديجيتال كونتنت) بحيث تتمكن المملكة من انتاج أكثر من نصف المحتوى العربي على شبكة الانترنت. تبعها في ذلك الوزير الدكتور عاطف التل والذي طلب من الشركات العاملة في الأردن الإسراع في توصيل خدمة البرود باند الى كل المدن والقرى في الأردن وبأسعار تنافسية. كما تحدث عن تصميم الأردن على اعتماد تقنية (Long Term Evolution) والتي تعطي المستخدم سرعة تتراوح بين 150 و250 ميغابيت للوصول الى شبكة الانترنت وهي التقنية التي ستبدأ شركة اتصالات الإماراتية باعتمادها قبل نهاية هذا العام وستتبعها في ذلك موبايلي والاتصالات السعودية. وللمقارنة فإن تقنية (LTE) هي أسرع بـ150 الى 250 ضعفاً من التقنية المعتمدة في لبنان.

أما في بيروت وللسنة الثانية على التوالي، فقد نجحنا في عرض غسيلنا الوسخ أمام جمهور من صنّاع مستقبل الاتصالات في العالم (وليس العالم العربي فقط). فقد تحدث وزير الاتصالات، راعي المؤتمر، من وحي "غزوة" أوجيرو وأكد للجميع أن الوزير هو الآمر الناهي في وزارته وهو من يقرر ومن تعود له الصلاحية في الايرادات والتشريع والتخطيط الخ.. أما في السنة الماضية فقد كان محور خطاب وزيرنا المختص الهيئة الناظمة للاتصالات. فقد تحدث عشية اجبار رئيس الهيئة الناظمة على الاستقالة تعبيراً عن يأسه من تطوير القطاع عبر خصخصته (تجدر الإشارة الى أن د. كمال شحادة تبوّأ منصب نائب رئيس مجموعة اتصالات الإماراتية لشؤون التشريع والعلاقات الحكومية وهو بالتالي يشرف على علاقة الشركة بثماني عشرة وزارة اتصالات أو هيئة ناظمة في الأسواق التي تتواجد فيها الشركة والتي يبلغ عدد مستخدمي شبكاتها أكثر من 110 ملايين مشترك).

فقد سهى عن بال الوزير أن يذكر أن لبنان، وبعد ثلاث سنوات من تسلم تكتل "التغيير والإصلاح" قطاع الاتصالات، صنّف كأقل الأسواق تنافسية بين كل الدول النامية، فقد كان تصنيف لبنان في المرتبة 186 من 186 حيث يعاني المستهلك ارتفاع الأسعار وسوء نوعية الخدمات إن كان على مستوى الاتصالات الهاتفية أو على مستوى خدمات الانترنت. لم يتحدث الوزير عن الدراسة العالمية التي أكدت أن زيادة 10 في المئة في نسبة اختراق البرود باند تترجم الى زيادة 1 في المئة في نمو الناتج القومي (GDP) كل عام.

ولم يذكر الوزير أن لبنان سيحذو حذو الكثير من الدول التي باتت تعتبر خدمات البرود باند من الحقوق الأساسية لكل مواطن. لم يرَ معاليه ضرورة لاطلاق شعار المساواة الرقمية (Digital Equality) أي أن تتساوى خدمات الانترنت في المدن والأرياف وهو الهدف الذي أعلنته الملكة رانيا منذ أكثر من عام مثلاً. كما سهى عن باله أن يطمئن اللبنانيين الى أن الخدمات الرقمية والهاتفية المصرفية (Mobile Banking) والصحية (Mobile) والتعليمية (E Learning or Distant Learning) ستكون متوفرة لهم مثلما هي متوفرة في السعودية والإمارات وقطر وتركيا والكثير الكثير من الدول النامية بينما يعاني اللبنانيون أعلى نسبة انقطاع في المكالمات تكلفهم ملايين الدولارات سنوياً.

كما تناسى احتساب خسارة الخزينة من عدم تخصيص قطاع الاتصالات في عهد الرئيس الحريري الناتجة من عدم بيع رخص الخلوي خلال فترة الذروة التي مر بها القطاع بالإضافة الى الخسارة الاقتصادية الناتجة عن سوء خدمات الانترنت والهاتف. نحن على ثقة بأن الوزير وهو الخبير الاقتصادي يعلم أن البنك الدولي أعلن أن كل 10 في المئة زيادة في نسبة اختراق خدمات البرودباند أدت الى زيادة تسارع النمو الاقتصادي بنسبة 1,38% في البلدان النامية.

وهذا ما أكدته دراسات مستقلة لشركة ماكنزي التي أكدت أن كل 10% زيادة في نسبة اختراق البرودباند أدت الى زيادة النمو بنسبة قد تصل الى 1,4% سنوياً. أما شركة بوز اند كومباني فقد أعلنت عن دراسة أجرتها في الدول النامية والتي أكدت أن كل 10% زيادة في نسبة اختراق البرودباند أدت الى زيادة انتاجية العامل بنسبة تصل الى 1,0% سنوياً وعلى فترة 5 سنوات.

لذلك، فإن حسبة بسيطة لخسائر لبنان الناتجة عن التخبط في قطاع الاتصالات أدت الى خسارة لبنان 2 في المئة (على الاقل) من نسبة النمو الاقتصادي السنوي منذ عام 1998 حتى يومنا هذا. أي بمعنى آخر خلال الـ13 عاماً الماضية خسر الاقتصاد اللبناني فرصة للنمو المتراكم تقدر بحوالى 26% بالاضافة الى خسارة الدولة نحو 80% من الواردات التي كان يمكن تحقيقها لو تمت الخصخصة خلال فترة الذروة في ربحية شركات الاتصالات، ان هذه العوامل فقط، والتي تقتضي الأمانة القول أنها نتيجة تراكمات لا يتحمل مسؤوليتها فقط الوزير نحاس، كان يمكن أن تخفض نسبة الدين الى حجم الاقتصاد بأكثر من 30%.

خلاصة القول إن وزارات الاتصالات والهيئات الناظمة في المنطقة وكل الدول النامية تتحدث بلغة المستقبل وتعمل للحاق بالثورة الرقمية و(Could Computing) بينما لبنان يعيش في عصر تمديدات النحاس (Copper Wires). فعلى وزن ربَّ ضارة نافعة نرجو أن يتمكن الرئيس ميقاتي من إنهاء عصر النحاس في قطاع الاتصالات اللبناني واطلاق عصر الالياف الضوئية عبر وزير تقني تكون له رؤية للقطاع وأهداف والتزامات بناء على وقائع وتطورات صناعة الاتصالات في المنطقة والعالم تحدد في البيان الوزاري، وهذا أهم لنا نحن البسطاء من النظريات والشعارات السياسية واستراتيجيات الدفاع وما الى ذلك من الأمور التي لم تؤمن لنا فرص العمل القادرة على تأمين مستقبل أبنائنا وبناتنا.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل