#adsense

الهبة ـ التضحية: من مارسيل موس إلى نبيه برّي

حجم الخط

لا أصل لـ"الهبة التضحية" التي قضت بمبادرة "شيعية" إلى توزير "سنّي" مكان وزير "شيعيّ" إلا في كلاسيكيّات علم الأنثربولوجيا، وفي الدروس المستقاة من المجتمعات البدائية. ففي مطلع القرن العشرين، اشتهرت نظرية مارسيل موس حول "الهبة"، حيث أدرك مؤسس المدرسة الأنثربولوجية الفرنسية أنّ المجتمعات البدائية لا تحتكم في تبادلاتها إلى البيع، ولا حتى إلى المقايضة، إنّما تصرّف أعمالها بالوهب والوهب المضاد. بذل العطاءات أو الهدايا. تقبّلها. ثم ردّ الجميل الذي لم يكن مطلوباً في الأصل، لكنه يتحوّل بمجرّد تلقّيه إلى دَين مرهق في العنق، لا بل إلى عملية إذلال.

لقد أدرك مارسيل موس أنّ هذه الدائرة الأنثربولوجية البدائية التي تتمحور حول الوهب والوهب المضاد هي أبعد من أن تكون واحة للوئام والسكينة والمشاعية السعيدة. على العكس تماماً، هي تؤسّس للإستقطاب، وتشحن العدوانية، وتسوّغ الدافع إلى العنف. فحرب الهدايا هذه تستند إلى مفارقة. مفارقة "أنا أجبركم على التصرّف بعفوية معي من خلال تقديم هديّة لي، وأنتم تجبروني من ثمّ على أنّ أرد الجميل الذي في عنقي بهدية عفوية مضادّة". تستحيل الهبة هنا وسيلة يصار بواسطتها إلى سحق من يتقبّلها، خصوصاً إذا لم تكن لديه قدرة على الوهب المضاد بالشكل الذي يفكّ الشؤم الذي تجرّه الهدية عليه.

يقول مارسيل موس، وفي باله المجتمعات البدائية، أنّ "الهبة المعطاة تخفض منزلة من يتقبّلها، خصوصاً إن لم تكن لديه نيّة المعاملة بالمثل". هذا القول يختصر ويكشف في آن الحيلة المنسوبة إلى الرئيس برّي، في توزير سنّي إضافيّ مكان شيعيّ لكن بقرار شيعيّ. وطبعاً، لم يفطن برّي إلى هذه الحيلة من خلال قراءة النقاشات الأنثربولوجية حول الهبة من مارسيل موس إلى موريس غودوليه، إنّما من الواضح تماماً، وفي أقل تقدير منذ إنقلاب "القمصان السود" أنّ قوانين اللعبة التي تحكم المجتمعات البدائية هي التي يريد المشروع الفئويّ الهيمنيّ أن يستكمل على أساسها إحكام طوقه على البلد.

وفي الروايات، أنّ الفكرة طرأت كـ"خاطرة" وجدانية على الرئيس برّي وهو يتحرّك بسيارته في اتجاه القصر الجمهوري. طبعاً، مع ذكر رواية أخرى، تتحدّث عن "اتصال" بين رئيس المجلس وزعيم حزب السلاح. في الحالتين طبعاً، ثمّة معالم إشراقية وشطحات صوفية لهواة النوع!!

وبالتجاوز عن الروايات، ثمّة من يقول إنه ليس هناك لا في ميثاق ولا في دستور ما يحول دون أن تتبرّع طائفة لأخرى بمقعد وزاريّ هنا أو بمقعد نيابيّ ربّما هناك. فلئن كان بيع أي حصّة هو أمر محظور، أو كانت المقايضة هي الأخرى ممنوعة، فالمبادرة إلى "الهبة التضحية" ينبغي أن تمتدح دون تردّد، بل يصار إلى تقديمها كعلامة من علامات "إلغاء الطائفية السياسية"، وهو الهدف الأسمى الذي سخّر له الرئيس نبيه برّي حياته النضالية، وبالأخص في أعوام الحرب الأهلية.

إلا أنّ ذلك غير صحيح. ليس العرف وحده يكشف لاميثاقية هذه "الهبة التضحية". ثمّة أيضاً نص دستوريّ صريح. فالنصّ نفسه الذي يحكم بالمناصفة في مجلس النواب بين المسيحيين والمسلمين يعود فينصّ على أن توزّع "نسبياً بين طوائف كل من الفئتين"، وبما أنّ المناصفة في مجلس النواب هي الأصل الذي يجد سريانه أيضاً في المناصفة في مجلس الوزراء، كان مبدأ أن توزّع المقاعد الوزارية كما النيابية "نسبياً بين طوائف كل من الفئتين" موجباً ميثاقياً أساسياً.

وما جرى لم يكن ضرب "المثالثة" فقط، بل أيضاً ضرب للمناصفة. فالطائف يرسي معادلة مزدوجة للمشاركة السياسية. هي معادلة المثالثة بين الطوائف الثلاث الكبرى (الموارنة والشيعة والسنّة) في إطار المناصفة بين المسلمين والمسيحيين. أي هو يجعل المثالثة تابعة للمناصفة. من هنا فإنّ أي إخلال بالمثالثة هو إخلال بالوعاء الذي داخله تتحرّك هذه المثالثة، أي إخلال بالمناصفة.

يمكن طبعاً أن يقال إنّه في ظرف استثنائي قد يجاز أن تكون حصة السنّة أكبر أو أصغر من حصة الشيعة بوزير او بوزيرين. لكن أين هو الظرف الاستثنائي هنا؟ فيصل عمر كرامي؟ أحمد كرامي؟ هل ثمّة تقصير في الكفاءات داخل الطائفة الشيعية كي لا يكون بمقدورها تأمين وزير شيعي سادس؟ يمكن طبعاً تركيب عدد كبير من الأسئلة المشابهة للتأشير على قلّة ميثاقية "الهبة التضحية" بوزير شيعي لصالح وزير سني إضافيّ، لكن أهم الأسئلة يبقى: هل المرجع الصالح لتنازل طائفة عن جزء من حصّة مشاركتها السياسية هما قادتها السياسيّون الحاليّون؟ ويا لها من مفارقة مضحكة مبكية أن يكون هؤلاء القادة النجباء الميامين قد استمدّوا شرعيتهم ذات يوم من الخروج على "الإقطاع السياسيّ" كما كانوا يسمّونه؟ إن لم يكن "الإقطاع السياسيّ" هو في هذه "الهبة التضحية" المليئة بالعنف فأين يكون إذاً؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل