قراءة في دور سعد الحريري وبعض المتغيّرات وفي عدد من الأسماء اللامعة والأبعاد المستقبليّة
إيجابيّات في الحكومة الجديدة.. لا تختصر عناوينـَها والقضايا
.. وأخيراً تشكّلت الحكومة الأولى في عهد الرئيس ميشال سليمان. وهكذا يكون رئيس الجمهوريّة في باريس اليوم "متحرّراً" من أيّ سؤال كانَ يمكن أن يوجّه إليه حولَ المشاكل في بلاده، أو عن تعقيدات مسار تطبيق "إتفاق الدوحة" أو عن أيّ "مساعدة" يرغب في أن تُقدّم له.
إذاً، بتشكيل الحكومة يكون البند الثاني من "إتّفاق الدوحة" قد نُفّذ. وبتنفيذه "حلقةٌ" أخرى من مسار العودة إلى المؤسّسات الدستوريّة للدولة.
دور سعد الحريري.. وأولويّة وحدة 14 آذار
هذا في "العام". بيدَ أنّ ثمّة ملاحظات رئيسيّة على هامش تشكيل الحكومة مِن جهة ومن ضمن تركيبة الحكومة نفسها من جهة ثانية.
ينبغي، في هذا السياق، وبـ"مفعول رجعيّ"، تسجيل حقيقة انّ تأخير ولادة الحكومة طيلة أربعين يوماً لم يكن من فعل الأكثريّة. غير انّ الأهمّ هوَ انّ 14 آذار "عادت" وإنتبهت إلى أولويّة وحدتها وأولوية المعركة السياسيّة التي تخوض منذ العام 2005 والتي لا تزال مستمرّة، بالنسبة الى توزيع الحقائب في ما بين مكوّناتها.. وهو التوزيع الذي يدلُّ على أنّ قوى 14 آذار قدّمت تنازلات لبعضها.
ولا مفرّ من تسجيل أهميّة الدور الذي اضطلع به رئيس "تيّار المستقبل" سعد الحريري في مجالَي التوزيع المنصف للحقائب الوزاريّة بين الأكثريّة وتثبيت وحدة الحركة الإستقلاليّة من ناحية وفي مجال التعالي على العقدة المفتعلة من جانب "المعارضة" بالإصرار على توزير علي قانصو من ناحية أخرى، وهو ما إستجاب له الرئيس فؤاد السنيورة على كلّ حال، من منطلق القناعة التي أعلنها بخيار تشكيل الحكومة لتجاوز المرحلة السابقة بدلاً من خيار عدم التشكيل والذهاب إلى المجهول ـ المعلوم.
بين "الإسعافات الأوّليّة" والمعالجة
طبعاً، وفي إطار من الصراحة أيضاً، لا بدّ من القول إنّ وحدة 14 آذار تتطلّب ما هو أكثر من "الإسعافات الأوّليّة" التي قدّمها سعد الحريري وحلّت ـ "الإسعافات" بعضاً من الجراح "السطحيّة". ذلك انّ وحدة 14 آذار تستدعي ـ بعدَ إلتقاط الأنفاس ـ نقاشاً عميقاً لإستراتيجيّة المرحلة ومعالجة عميقة لمنطق العلاقات داخل الائتلاف الإستقلاليّ بما يراعي "الخصوصيّات" من جانب و"المشترك" من جانب ثان، وذلك بأفق إنتخابات العام المقبل.
"تيّار المستقبل" و"اللقاء الديموقراطي"
أمّا في ما يتعلّق بتركيبة الحكومة، فإنّ ثمّة أموراً لافتة، تستحقّ التوقّف عندها.
الأمر الأول، هو انّه للمرّة الأولى منذ زمن طويل، يقبل "تيّار المستقبل" أن يحصر تمثيله في الحكومة بالطائفة السنّية، بحيث لا تمثيل له بوزراء مسيحيين.
من الطبيعيّ ـ والحقيقيّ ـ أن يقدّم سعد رفيق الحريري الأمر في إطار "التضحية" التي دأبت عليها قريطم. ومفهومٌ في الوقت نفسه انّ "الظرف اللبنانيّ" أي الواقع الطائفي والمذهبي فرض "قوانينه" في هذا المجال. غير انّ هذا الموضوع يحتاجُ إلى دراسة "مدقّقة" في آثار هذا "الواقع" وكيفيّة وضعه ضمن حدود في المرحلة المقبلة.
الأمرُ الثاني، هو أنّه وللمرّة الأولى أيضاً منذ فترة بعيدة، ينحصر تمثيل "اللقاء الديموقراطي" بالطائفة الدرزيّة. وبالرغم مِن سعي رئيس "اللقاء" وليد جنبلاط حتّى "اللحظة الأخيرة" إلى عدم تكريس "سابقة"، إنطلاقاً مِن قناعته بأحقيّة تمثيل مسيحيّي الشوف والجبل، فإنّه إمتنع عن "التعقيد" وجارى سعد الحريري فكان قرارهما المشترك أن يعزّز التمثيل المسيحيّ بواسطة ممثّلي التيّارات المسيحيّة الحزبيّة وبواسطة المسيحيين غير المتحزّبين.
الحريري "يُعدّد" التمثيل السنّي
والأمر الثالث هو انّ "تيّار المستقبل" بقرار من زعيمه أكّد انّه لا يمارس إحتكاراً للوضع السنّي. وهذا تأكيدٌ متجدّد ينهضُ على حقيقة انّ سعد الحريري ـ كوالده الرئيس الشهيد رفيق الحريري ـ يُعمِل مقياس "السياسة" لا معيارَ الإحتكار أو التسلّط. وها هو يحرص إضافةً الى توزير محمد الصفدي ممثّلاً عن "التكتّل الطرابلسي"، على دخول النائب السابق تمّام سلام إلى الحكومة. ليس تمام سلام عضواً في 14 آذار لكنَّه صاحب "حيثيّة" في بيروت واقترب سياسيّاً خلال السنوات الثلاث الماضية من الحريري وقامت بينهما علاقة طبيعيّة. وإذا كان تيّار "المستقبل" يذخر بطاقات متعدّدة وبأسماء ذات سمعة طيّبة، فإنّ تمثيله في الحكومة هذه المرّة مميّز بدخول شقيقة الرئيس الشهيد النائب بهيّة الحريري، وتاريخها الوطنيّ مّن تاريخ الرئيس الشهيد، ووجودها في وزارة التربية "بديهي" بعد كلّ الذي أعطته للتربية والتعليم في كلّ قطاعاته خلال أكثر من عقدين. وكذلك، يستحقّ دخول السفير محمد شطح إلى الحكومة التنويه فهوَ بالإضافة إلى عراقة علاقته بالرئيس الشهيد وبخلفه ورفاقه، دمٌ جديد وذو كفاءة. أمّا عودة الوزير السنّي المستقل خالد قبّاني فهي عودةٌ لوزير ناجح.
أوّل إختراق شيعي: إبراهيم شمس الدين
أمّا الأمر الرابع، وهو على قدر كبير من الأهميّة، فيتعلّق بجديد إستثنائيّ. فللمرّة الأولى في تاريخ الحكومات بعدَ الطائف، يدخل شيعيّ مستقلّ.. عن ثنائيّة التمثيل الشيعي، إلى الحكومة وهو المهندس إبراهيم شمس الدين نجلُ الإمام الراحل محمد مهدي شمس الدين صاحب الصفحات التاريخيّة البيضاء في الفقهِ السياسيّ الشيعيّ ولبنانيّة الشيعة وعروبتهم. إنه أوّل "كسر" لثنائيّة "الاحتكار الشيعي". لا يمكن إنكار ان دخول ابراهيم شمس الدين تمّ بعد "علعَلة" من "حزب الله" و"أمل" او أحدهما. لكن الصحيح انّه بقدر ما عمل "حزب الله" على "تدفيع" الأكثرية ثمن توزير قانصو، فقط اضطرّ في المقابل الى دفع ثمن توزير شمس الدين.
أسماء مسيحيّة لامعة
في الأمر الخامس، لا بدّ من تسجيل "لمعيّة" الأسماء المسيحيّة، لا سيما منها تلك التي لا تنتمي الى الحزبيّات المسيحيّة حتى لو كان بعضها على تقاطعات حزبيّة. نسيب لحود وزير في الحكومة حتى من دون ان يطلب الوزارة او يخوض معركة للحصول عليها، وهو ليس بحاجة الى الشهادة له برصانته وجدّيته وخطّه السياسيّ الوطنيّ. وطارق متري أثبت جدارته ومصداقيّته ووطنيّته وشجاعته. ويوسف تقلا سليلُ العائلة الدستوريّة الاستقلاليّة. وزياد بارود القانونيّ الشفّاف الديموقراطي الشاب. وريمون عودة المصرفيّ الكبير. ولا مفرّ من التنويه بابراهيم النجار وزيراً جديداً للعدل اقترحته "القوات اللبنانية"، وهو قانوني كبير وذو تجربة سياسيّة "عتيقة".
وتسليط الضوء على الوزراء المسيحيين غير المتحزبين لا يعني ان الحزبيين غير جديرين بالوزارة بل يهدف الى القول ان البيئة المسيحية زاخرةٌ بالطاقات والقدرات، وان الأطر الحزبية مطالبةٌ بالتعاطي مع الكفاءات وألا تنحصر بحزبييها او مناصريها.
المرّ.. والعريضي وأبو فاعور "المقاتلان"
ولـ"إتمام" هذا الجانب، لا بد من القول ان عودة الياس المر الى وزارة الدفاع "مكسب" للحكومة وتأكيدٌ لموقعه "المكتسب" بتضحياته، وذلك بالرغم من الحرب التي شنت ضدّه وضدّ عودته. كما لا مفرّ من الإشارة ـ بقوّة ـ الى الوزيرين "المقاتلَين" من "الحزب التقدمي الاشتراكي" غازي العريضي المخضرم ووائل أبو فاعور الشاب "الصاعد".
التحدّي
إن ما تقدّم لا يختصر القراءة في الحكومة الجديدة سياقاً وتركيباً. لكنه بمثابة تقويم أوليّ يدعو الى إبراز العديد من الايجابيات فيها والى تسليط الضوء على ضرورة الانطلاق منها نحو المرحلة المقبلة.
أما في المرحلة المقبلة، وإذا كان الرئيس السنيورة وضعَ العناوين الرئيسية للحكومة بعد تأليفها، فـ"يجب" ان يُقال ـ بسرعة الآن ـ ان البيان الوزاري يكتسب أهمية بالغة. ولا بد ان يتضمن الخطة التنفيذية لـ"إتفاق الدوحة" وخطاب القسم وإتفاق الطائف، في ما يتعلق ببسط سيادة الدولة وبحصريّة السلطة العسكرية والأمنية في يدها.