.jpg)
عندما يطلع، علينا، قياديّون ثوريّون ويتوسّعون في رقعة مفهوم الثّورة، وتعزيز مشاركة الجماهير في صناعة قرارها، يرتفع، فينا، منسوب العنفوان، ويتّسع تنوّرنا لمبادئ الحراك الثّوريّ، ويترسّخ، في وعينا، إدراك أنّ الثورة، وحدها، هي السّبيل لتحقيق المرتجى، والمأمول، على مستوى التّغيير لمنجاتنا من جهنّم.
بدايةً، لا بدّ من بلورة حيثيّة الثّورة، للوقوف على كنهها، من خلال تعريف الإستراتيجيّين إيّاها بأنّها علم تغيير المجتمع، وإعادة بناء الدولة بإحداث تحوير في مسارها، وهذا يعني أنّ ما بعد الثورة يختلف عمّا قبلها. ليس المراد، في هذا المجال، التبحّر في النظريّات، والمداخلات الإيديولوجيّة التي تعاطت مع مفهوم الثّورة، بقدر تجاوزها بتلخيص مقتضب، وصولاً للمفيد من الممارسات ونتائجها الملموسة.
يمكن فهم الثورة على أنّها حالة حتميّة ضدّ الطّغيان، والقهر، والإستبداد، وقمع الحريّات…وأنها، بذلك، تحدث في وسط تسوده علاقات ظالمة، ويتفشّى فيه فساد شامل، بحيث تضيع الحقوق، وتصبح الحريّة في خطر، ويحرم الناس من أبسط حاجياتهم الضرورية. وهذا، بالذات، ما ينوء تحته اللبنانيّون، يقودهم اليأس، والصّدمات، وخيبات الأمل، ويطرحون السؤال: هل الثورة جهد ضائع ؟ هل هي محاولة قفز بهلوانيّة تؤدّي الى السّقوط في الهاوية ؟ هل هي برواز يحمل صورةً مجمّلةً لواقع قبيح ؟
من حقّ الناس الذين باتت حياتهم مواسم جوع، وفقر، وهجرة، وجراح، أن يلجأوا الى الثّورة، فهي تمنع طعم الموت المفاجئ من أن يغوص في لحمهم، وتنقذ وطنهم من نشل هويّته، وسبي كيانه، وتوقف مدّ مشروع استعمار أرضهم بانقلاب لم يعدْ صامتاً، أو مموّهاً. من حقّ الناس، عندنا، أن يتجاوزوا شبكة التذمّر، والعزف الرّتيب على وتر الهواجس، الى تبنّي حالة الثورة، خوفاً من التّصفية السياسيّة، وحتى الوجوديّة عند بعضهم، بفعل خلخلة التركيبة الدّاخلية، واختراق مفاصل الدولة التي باتت جثّةً متكلّسة، للسيطرة على البلد، وفرض انتداب هجين يرمي لبنان في المنفى، وينهي خصوصيّة أهله.
لكنّ الإشكاليّة التي تطرح نفسها، بعد اندلاع 17 تشرين، هي في تقييم أداء التركيبة التي تولّت النّسيج الثّوريّ، ومدى اضطلاعها بمهمّة تأطير الثّورة، وتنظيمها، واستيعاب مؤيّديها، ووضع خارطة طريق لأهدافها… بمعنى آخر، توجيه سؤال لمنْ قاد الحراك، علانيةً أو من وراء السّتارة، هل كانت ظهوراتهم الخطابيّة التي أمّلت الناس بتغيير يطيح بالسّائد، سوى برنامج شكليّ شعبويّ لم يصل بالثورة إلّا الى نقطة الصّفر ؟
الكلّ يعلم أنّ الخطّ البيانيّ للثّورات يبدأ من طرح مبادئ تشكّل مشروعاً هادفاً يخرج من كونه مجرّد تمرّد أو انقلاب. فالثورة ليست هدفاً بحدّ ذاته، بل هي وسيلة لتحقيق نقلة من حالة القهر، الى ترسيخ المساواة، والعدالة، والحريّة، والعيش الكريم…وبقدر ما يتوسّلها أقطابها وأصحابها لتحقيق مآرب شخصيّة، بأنانيّة، وإقصاء، واستئثار، بقدر ما تخبو آمال الناس التّعساء، وتسيطر عليهم خيبة مريرة، وتذهب أهداف نضالهم أدراج الرّياح.
والواقع، عندنا، أنّ القيّمين على الثّورة لم يقدّموا للناس سوى أهازيج ناريّة، ووعوداً غير مترجمة، فكانت خطاباتهم التّهريجيّة تجارةً خاسرةً في سوق التّعاطي الثّوريّ، لم ير فيها سوى العبث واللّاجدوى. لقد ضاقت صدور الناس عن احتمال هرطقات الواعدين بالأفضل، لا سيّما أنّ هؤلاء الواعدين يصمّون في أوجه بعضهم الآذان، ويسلكون، بعضهم مع بعضهم، منحى الكيديّة، والحقد، والأحاديّة، بشكل غير قابل للتّرتيق، أو التّسامح، أو التّأجيل، كأنّهم لا يعلمون أنّ سقوطهم “برصاص” زملائهم في قيادة الثّورة، يوازي أضعاف منْ يسقط، منهم، “برصاص” أخصامهم من السلطة، والذين يتحكّمون بها.
واستناداً، يبقى السؤال : هل الثورة، بعد، كيان موجود ؟ وقادتها جناة، مسكونون بسلوك مرضيّ عدوانيّ، تحرّكهم الضّغينة، بعضهم على بعضهم الآخر، ويتطالقون اتّهامات مسعورةً يبرّرونها بأبشع منها من الذّرائع، ما يلطّخ جبين الثورة بل ضميرها، بإسفاف يستجلب العار.
أيّها القادة الوهميّون، أنتم سكّين يلامس رقاب الناس، هؤلاء الذين باتوا في اشمئزاز منكم، ورفض، فمهما تذاكيتم، إعلموا أنّ الناس يعرفون الشيطان كيفما بدل ثيابه.