لكنّ “العرش” باقٍ
راجح الخوري
من موقع شخصي جداً، كلما دخلت الى مبنى “النهار” تأخذني التعاسة بمعناها الوجودي. إذ ثمة في هذه الجدران والممرات والغرف ما يعيد تظهير التراجيديا الاغريقية في مزيجها الهائل: إختلاط معاناة الحياة ببطولة وموت ليكون الانتصار المعنوي الثمرة الاعظم لكن الاكثر مرارة.
هو غابي.
كما تعودت أن أسميه ربما تقليداً لدأب والده غسان على هذه التسمية، وربما لحميمية جمعتنا منذ بداية السبعينات وتجذرت في حرب المئة يوم حيث تجاورنا في بيت مري. كنت في منزل آل مروه مديراً لمكتب “الحياة”، وكان غابي قفّازاً بين بيته القريب وهنا وهناك بين القذيفة والقذيفة، لا بل كان قذيفة في مدفع لبنان وكان صوت والده من باريس يكرر في أذني:
“دير بالك على غابي، روّقلي غابي”.
لكن لم يكن لـ”بالي” أو “بال” أحد أن يروّق تلك العاصفة ذات الوجه الضاحك.
زين الشباب، الشاطر حسن، الذي قطع سماء الحرية ومضى مثل سنونوة أو خطّاف.
ولد في أمبراطورية الضوء الطالع من الحبر والورق والكلمات، من مصنع المعرفة ومن رحم السلطة الرابعة التي تعلن وصول الفجر والآخرون نيام.
تربى في ظل جسر أوله في الصحافة وآخره في السياسة، ومداه في الديبلوماسية، كما في ظل ديمة تفيض برقة الأم ونبل الشعر.
شبّ على همس “الديوك النهاريين” في تلك الليالي التي غالباً ما صنعت الرؤساء، وشكلت الحكومات، ورسمت السياسات، وقررت المواقف، وحضّرت التظاهرات، وقرنت صفة السلطة الرابعة بالفعل اليومي من المانشيت الى الافتتاحية، مروراً بطوفان الاخبار.
ربما لكل هذا بدأت معالم غابي الصحافي في جو من التحدي القاسي الكبير، حيث لم تكن “النهار العربي والدولي” أكثر من حملة فتوحات جديدة يقودها “الامير الشاب” خارج أراضي “الامبراطورية” التي هي “النهار”، التي لا تتيح حتى للابناء أن يدخلوا ملكوتها إلاّ بعد اثبات الجدارة.
وبهذا المعنى ايضاً لم يكن على غابي الصحافي أن يثبت جدارته بازاء المنافسين من أبناء المهنة، حيث صارت “النهار العربي والدولي” الاكثر رواجاً ونجاحاً في المجلات الاسبوعية، الأهم والأعمق كان أن يثبت جدارته بازاء أركان “الامبراطورية”.
ومما زاد التحدي شراسة وعمقاً، انه لم يكن يجتهد ليؤكد ان زنده قادر على المساعدة في حمل الراية فحسب، بل انه يحمل الاحقيّة وهي معنوياً، على الاقل، أمانة اسم وأمانة التأسيس والمؤسس جبران تويني الجد.
كان على الحفيد غابي في لاشعوره أن يؤكد جدارته ثلاث مرات يومياً: مرة لجده جبران، ومرة ثانية لوالده غسان، والثالثة لـ”امبراطورية النهار”. واذا كانت المرحومة علياء الصلح قد ذكرت في رثائه انها كانت تستشعر لديه احياناً احساساً دفيناً بالحاجة الى الاحتضان، فلأنه في تحدياته الثلاث واجه سيكولوجياً قسوة تفوق احياناً تحمّل الشباب.
أنا لن أنسى قط ذلك البريق في عينيه وكان يمثل مزيجاً من السعادة والافتخار والرضى الداخلي، عندما دلفت اليه ووجدته جالساً وراء المكتب ذي الجوارير الكثيرة الذي سبق ان جلس اليه جده ثم والده. وعندما قلت له “مبروك” راح يقص عليّ حكاية هذا المكتب بحماسة طفولية مؤثرة. وكنت مدركاً تماماً أن هذا ليس هو المكتب، بل هو “العرش” حيث تتناثر عليه جمهرة من “الاقلام الصولجان”.
قبل وصوله الى “العرش” كانت ظروف الوطن والتحديات التي واجهته هو شخصياً قد طبعت شخصيته وحددت اساليبه ومساراته.
كان صاحب اسلوب مختلف في الصحافة. كان مباشراً في التعبير والقول، لم يكن يؤمن بالاستدارة، أو بالتبطين، أو بالمجازيات، أو بالايحاء. كان يصرّ أن يضع أصبعه في الجرح، وأن يقول للابيض ابيض، وللاسود اسود، وللأعور أعور بعينك.
لم يكن اسلوبه هذا نتيجة قسوة بل في رأيه نتاج تراكم هائل في أساليب المداهنة والمداجاة، سواء في السياسة أو في الصحافة، وهو ما اوصل لبنان الى ما هو عليه من المآسي.
انني اعتقد بأن الصحافيين احياناً هم مثل السيوف، بعضهم يذبح بالنصل القاطع، وبعضهم يحك حكّاً بالجانب الآخر من النصل، والبعض الآخر يحرص دائما على عدم سن النصل فلا يذبح ولكنه يتجاوز حك الجَرَبْ، سياسياً كان او غير ذلك، وربما كان هذا اقسى من الذبح.
لكن غابي كان نصلاً مسنوناً جداً. كان يكتب بقلم مروّس جداً، ربما لأنه كان مقتنعاً بأن لبنان لم يعد يفيده العلاج بالمسكنات بل بالعمليات الجراحية.
وقد مضى غابي في دفع التحدي الى مداه الاقصى، وأعرف كما يعرف كثيرون غيري انه اشرف على تشييد هذا البناء وكأنه يقوم برسم لوحة فنية. عشرات المرات اتصل بي باكراً وقال: “اراك في “النهار” الجديدة وأنت ذاهب الى الحمرا”. وعند كل باب او جدار او قسم من الاقسام كان يقف شارحاً بحبور لم يسبق ان عرفته فيه، وكنت ادرك تماماً انه يريد أن يصنع لـ”الامبراطورية” قلعة تتجاوز العصر الى المستقبل وتقف حارساً عند “ساحة الشهداء”، فقد كان مقتنعاً بأن قدر “النهار” ان تبقى حارسة الجمهورية.
ولأن من اعمال “ديوك النهار” وصل الصحافة بالسياسة، وهو ما فعله الجد والاب وما سيفعله غابي بالطبع، حرص أن يوسّع بين الطبقتين الخامسة والسادسة مساحة شاهقة نسبياً لتمثال رمزي عملاق كان يفاخر به ويعتز: مجموعة من الكراسي يعلو بعضها بعضاً ويقف فوقها كلها ديك يصيح.
بمعنى ان الصحافة تعلو، وبأن الكلمة هي تاج السياسة، وان الاعلان عن الفجر والتبشير بطلوع النهار هما من الاركان الأساسية لحياة حرة وكريمة في وطن ديموقراطي سيد ومستقل.
لست ادري لماذا اختار لهذا التمثال الهائل ان يقف وسط بركة لا تهدأ حيث تتساقط من السقف نقاط “الدموع” وئيداً، وحيث في هذا المبنى الحزين يستمر الديك في البكاء الصامت الى ما لا نهاية.
تعرفون ان غابي كان مستعجلاً مثل البرق، وكان صارخاً مثل الرعد، لكن الاعصار الذي كتبه وصنعه كان متأججاً وسريعاً، وكان، يا أسفي، مقتضباً حيث وقّع افتتاحية حضوره المستعجل الصاخب والمدوي بالدم.
وكلما دخلت هذا المبنى الحزين تذكرت طروادة في زمن الاغريق وما قيل بعد الفاجعة:
“الآن خذ ابني
أم انه كان حلماً، او لم يكن يوماً في قصره.
هل نسي الآلهة التي حملت أوليمبوس؟
ابداً.
“الآن خذ ابني
أم انه كان حلماً، او لم يكن يوماً في قصره.
هل نسي الآلهة التي حملت أوليمبوس؟
ابداً.
اذن الآن تتذكره ولو بعد الموت”.
انها كلمات فريام ملك طروادة المفجوع وقد قالها وهو يندب ابنه النبيل هكتور، وكان حاول اقناعه بأن يخوض المعركة من موقع آمن وراء الاسوار، ولكنه رفض وخرج الى مواجهة أخيل امام القلعة وفي العراء التام.
تحية الى روحك يا أخي غابي. تحية الى جلالك وصبرك يا أيوب الادهار غسان تويني.
أما أنت يا نايلة ويا ميشيل ويا ناديا وغبرييلا، فعلى دروب التحدي المضاعف لأن قدر “الامبراطورية” أن تصمد وتبقى وتزدهر ايضاً.
أوليس هذا ما يتطلبه الاعلان الدائم عن طلوع “النهار” ونحن في وطن مضى بعيداً في الظلمة؟
كلمة القيت ضمن طاولة مستديرة في “النهار” بعنوان “جبران تويني الصحافي”، لمناسبة الذكرى الثانية لاستشهاده التي تصادف غداً