




كتبت جوزفين حبشي في “المسيرة” – العدد 1723
يشبه ما مرّ به لبنان خلال سنة 2021 فيلمًا سينمائيًا «أبوكاليبسيًا» (نهاية العالم) من نوع الرعب الخيال العلمي الكوارثي. ولكن على رغم الوضع المأساوي على القطاعات كافة في لبنان، إلا أن السينما اللبنانية تمامًا مثل وطن الأرز، مصممة على الصمود والحياة ورفض الإستسلام.
السينما اللبنانية، وعلى مدى 365 يومًا، تصدت بقدر الإمكان لهذا الإنهيار الجحيمي، وأعلنت ثورتها ورفعت عاليًا شعار المقاومة الحقيقية التي تكاد تكون الوحيدة التي تمدّنا بالأوكسيجين وترفع رؤوسنا في المحافل الفنية والثقافية العالمية، وتحقق لنا الإنجازات الفعلية لا الوهمية.
الإنتاجات خلال سنة 2021 كانت شبه معدومة، ولكن مجموعة من الأفلام التي صوّرت بين العامين 2019 و2020 (توأم سنة 2021 بكوارثيتها) أبصرت أو ستبصر النور في الصالات المظلمة هذه السنة، كما أن مجموعة منها شاركت في أهم المهرجانات العالمية، وأظهرت الوجه الحقيقي للبنان الفن والثقافة والحضارة والإبتكار والجمال، الذي ستبقى صورته ناصعة مهما حاولوا إطفاء كهرباء شعلته وإشعاعه.
من الأفلام التي أبصرت النور في صالاتنا اللبنانية خلال 2021، وتحديدا في 8 تموز، فيلم المخرج وكاتب السيناريو (والممثل هذه المرة) إيلي خليفة «قلتلك خلص» State Of Agitation. شريط إستثنائي بتجربته التي تم تصويرها على مراحل، بسبب صعوبة الإنتاج والتمويل والوضع الاقتصادي والصحي في البلد. أما النتيجة فجاءت شريطاً إختباريًا إستثنائيًا، إمتاز بأسلوبه الساخر والطريف والبسيط والفانتيزي الذي يمزج الخيال بالواقع. يروي الفيلم قصة مُخرجٍ لا يستطيع إنهاء سيناريو جديد له، وسط تخبطاته في علاقاته الواقعية والمتخيّلة في آن واحد. ووسط هذا التخبّط، يتداخل واقع المخرج بخياله، فتخرج شخصياته من بنات أفكاره الى الحياة، فيلتقي بها من خلال سردٍ يمزج الأحاسيس بالتفاصيل والوقائع، ومناخ من فوضى العيش.
بدوره الفيلم الكوميدي الإجتماعي الساخر»كارونا» Carona انطلقت عروضه في الصالات اللبنانية في منتصف شهر تشرين الثاني الماضي. الفيلم من إخراج شادي حنا ومن بطولة ندى أبو فرحات وعبودي ملاح الذي تولى الإنتاج إضافة الى كتابة السيناريو بمشاركة شادي حنا. الثنائي حنا وملاح يجتمعان معًا من جديد بعد الفيلم الكوميدي الإجتماعي «خبصة» الذي حقق نجاحًا جماهريًا عام 2018، ويحققان «خبطة» جديدة مع هذا الفيلم الذي يتطرق الى قضية جائحة فيروس كورونا بأسلوب كوميدي ساخر، بعيدًا من مأساوية هذا الوباء، ومع التركيز على الجوانب المضحكة الناتجة عن التباعد الإجتماعي وحجر أفراد العائلة معًا، وما سيتكشف عن هذا الحجر القسري من مشكلات.
أيضًا، الجمهور اللبناني سيودّع سنة 2021 بالضحكة والتأثر مع شريط «يربوا بعزكن» الذي تنطلق عروضه «مجددًا» في بداية شهر كانون الأول 2021. نقول «مجددا» لأن الفيلم الذي تم تصويره في صيف 2019، انتهى حفل افتتاحه الرسمي في ليل 17 تشرين الأول 2019 باندلاع الثورة، مما أجبر فريق العمل على تأجيل عروضه التجارية. الفيلم كوميديا إنسانية طريفة ومؤثرة، من إنتاج سام لحود وأيزك فهد، وإخراج دافيد أوريان، عن قصة وسيناريو وحوار لأيزك فهد، ومشاركة في الكتابة لدوريس سابا، وهو من بطولة عمار شلق وشادي حداد وباميلا الكيك ورلى بقسماتي وغابريال يمين، وتدور أحداثه حول أربعة أشخاص متزوجين من خلفيات إجتماعية مختلفة تمامًا، سيجمعهم القدر في مستشفى للولادة حيث تستعد الزوجتان للإنجاب، قبل أن تخرج اﻷمور عن السيطرة تمامًا. وللتذكير «يربوا بعزكن» تأهل لدخول السباق على جائزة الغولدن غلوب 2021، وهذا بحد ذاته إنجاز، على رغم كونه لم يتمكن من الوصول الى القائمة النهائية .
بدورها تعددت الأفلام اللبنانية التي شاركت في مهرجانات عالمية خلال سنة 2021، وأبرزها The Sea Ahead، و«دفاتر مايا» Memory Box ، و»كوستا برافا ليبانون».
البداية مع فيلم «كوستا برافا ليبانون» للمخرجة منية عقل الذي اختارته وزارة الثقافة في بداية تشرين الثاني 2021 لتمثيل لبنان عن فئة أفضل فيلم أجنبي في حفل أوسكار 2022. كما سبق أن فاز بجائزة دعم الإنتاج في مهرجان مالمو للسينما العربيّة، وشارك في عدة مهرجانات سنة2021، نذكر منها «سينيميد» و«البندقية» و«تورنتو»، إضافة الى مهرجان الجونة حيث فاز بجائزة «نجمة الجونة الخضراء» للأفلام المعنية بالبيئة.
يدور الفيلم في فلك العائلة والبيئة والنزاع بين النضال للتغيير أو الإستسلام للواقع، وهو من بطولة نادين لبكي والفلسطيني صالح بكري، ويروي قصة عائلة انتقلت إلى بيتها الجبلي هرباً من التلوّث الذي يحيط ببيروت. ولكن قرار بناء مكبّ نفايات بجوار سور منزلهم سيصدمهم، وسرعان ما تتراكم جبال النفايات ومعها التوترات وحتميّة قرار مفصلي بين المقاومة أو الرحيل. نذكّر أن منيه عقل صوّرت فيلمها في ظروف صعبة خلال جائحة كورونا بعد انفجار مرفأ بيروت العام الماضي.
بدوره فيلم «البحر أمامكم» The Sea Ahead شارك هذه السنة في مهرجان كان السينمائي الذي جرى في تموز 2021، ونافس على جائزة الكاميرا الذهبية ضمن فئة « أسبوعي المخرجين». الفيلم هو أول شريط طويل من إخراج وكتابة اللبناني إيلي داغر الفائز بجائزة السعفة الذهبية لأفضل فيلم قصير في مهرجان كان عام 2015، عن فيلمه التحريكي «موج 98». يروي الفيلم قصة صبية تعود إلى بيروت وتحاول إستئناف علاقاتها السابقة فتصطدم بأكثر من عقبة. «البحر أمامكم» سبق أن شارك أيضًا في مهرجان الدوحة السينمائي.
أما فيلم «دفاتر مايا» Memory Box للثنائي جوانا حاجي توما وخليل جريج، فقد شارك في المسابقة الرسمية لمهرجان برلين السينمائي الدولي في آذار 2021، ويكون بذلك أول فيلم لبناني يشارك بهذا المهرجان العالمي منذ 39 عامًا. أيضًا يشارك الفيلم في النسخة الأولى من مهرجان البحر الأحمر السينمائي الدولي الذي ينعقد من 5 الى 15 كانون الأول 2021 في مدينة جدّة السعودية، وذلك ضمن برنامج «روائع عربية». ويروي الفيلم قصة مايا، إمرأة لبنانية إنتقلت للعيش في كندا، منذ أكثر من 30 سنة. عشية عيد الميلاد، ستصلها هدية غريبة، في داخلها دفاتر وأشرطة كاسيت وصور تخصها، كانت قد أرسلتها الى صديقة لها عام 1982. مايا سترفض فتح الصندوق ومواجهة ذكرياتها، لكن الهدية ستثير حشرية ابنتها المراهقة التي ستكتشف أسرارًا حول حياة أمها عندما كانت في سنها، خلال الحرب اللبنانية.
وكان فيلم «ع أمل تجي» للمخرج اللبناني-الأرجنتيني جورج بيتر بربري قد شارك في مهرجان برلين السينمائي، ولكن ضمن فئة البانوراما، وخارج المسابقة الرسمية. الفيلم هو الروائي الطويل الأول للمخرِج جورج بيتر بربري، مستوحى من واقعة حقيقية جرت معه في سن ال15 عامًا. يروي «ع أمل تجي» قصة أربعة مراهقين من البترون، سيخوضون تجربتهم الجنسية الأولى مع بائعة هوى. نذكر أن «ع أمل تجي» نافس «كوستا برافا ليبانون» على الترشيح لتمثيل لبنان في حفل الأوسكار 2022، فقد نال 4 من أصوات اللجنة الخاصة المولجة باقتراح الفيلم المناسب للأوسكار، مقابل 5 أصوات لكوستا برافا. والغريب أن فيلم فيلم إيلي داغر «البحر أمامكم» الذي نافس على جائزة الكاميرا الذهبية ضمن فئة «أسبوعي المخرجين» في مهرجان كان 2021 كما ذكرنا أعلاه، لم يفز بأي صوت من أصوات اللجنة، بينما حصل فيلم «يوسف»على صوت واحد، وهو من إخراج محمد كاظم فيَّاض عن نص له مع صديقيه الممثل حسين حيدر والكاتب علي منصور. تدور أحداث الفيلم حول طالبٍ جامعي مصاب بمرض نفسي ويعاني من كوابيس تجعله يخلط بين الحلم والواقع، ولكن الدواء يجعله يسيطر على حالته المرضيَّة. وعندما يُقتل شقيق يوسف، بعد تورّطه مع عصابة لتهريب السلاح بين لبنان وسوريا، يُقرِّر يوسف التوقف عن تناول العلاج، ليعيش في الحلم حيث لا يزال شقيقه حيّا.
فيلم «مفاتيح مكسورة» Broken Keys تأهل لدخول السباق على جائزة الغولدن غلوب 2021، ولم يصل للمرحلة النهائية. كما سبق أن شارك في مهرجان كان السينمائي عام 2020، ورشحته وزارة الثقافة اللبنانية لتمثيل لبنان رسمياً في مسابقة الأوسكار لعام 2021 عن فئة أفضل فيلم أجنبي. الفيلم من إخراج وكتابة جيمي كيروز، ويدور بين لبنان وسوريا والعراق، ويروي قصة كريم عازف البيانو الذي يطمح لمسيرة موسيقية في أوروبا، لكنه يعيش في بلاد تمزقها الحرب. كريم سيحاول بيع البيانو لجمع المال الذي سيمكنه من السفر، لكن، مفاتيح البيانو ستنكسر خلال الحرب، وهكذا يقرر البحث عن طريقة لإصلاح المفاتيح في بلد تسيطر عليه جماعة إرهابية تحرّم الموسيقى. مؤلف موسيقى الفيلم هو اللبناني غابريال يارد الفائز بالأوسكار عن موسيقى فيلم «المريض الإنكليزي»، ويشارك في بطولته كل من بديع أبو شقرا وعادل كرم وغابريال يمين ورلى بقسماتي ومنير معاصري وحسن مراد.
أخيرًا وليس آخرا، يتأمل فريق فيلم «ع مفرق طريق» أن يتمكنوا من عرضه في فترة الأعياد المجيدة في نهاية 2021، ولكن لا شيء مؤكداً بعد، والعرض يخضع لظروف البلد. «ع مفرق طريق» من إخراج لارا سابا عن سيناريو وحوار لجوزفين حبشي، وكان قد صوّر في أواخر عام 2020 بين بيروت ووادي قنوبين، وأصبح حاليًا جاهزًا للعرض بعد الإنتهاء من التوليف والموسيقى والتلوين، وهو سبق أن فاز بجائزة ما بعد الإنتاج post production في مهرجان مالمو للسينما العربيّة في السويد سنة 2021. «ع مفرق طريق» كوميديا رومنسية حول الطموح والجذور، من إنتاج ART وواكاندا فيلمز، ومن بطولة شادي حداد وجوليا قصار وبيتي توتل وميرنا مكرزل وسينتيا كرم وربى زعرور، مع إطلالات خاصة لكل من نقولا دانيال وهيام أبو شديد ورفعت طرابيه وعماد فغالي وجوزيان بولس وشربل زيادة.
سنة 2021 على وشك أن ترحل. نودعها غير آسفين عليها وعلى مآسيها، وشاكرين لكل من نجح في إضاءة شمعة إبداعية وسط الظلمة. شكرًا للسينما اللبنانية.
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]
