
سلط تقرير لشبكة “سي إن إن” الإخبارية الضوء على أوضاع مستشفيات أفغانستان المأسوية، إذ اكتظت بالأطفال الذين يواجهون الموت جوعا. وذكرت الشبكة الأميركية أن “الظروف سيئة للغاية” لدرجة أن بعض المستشفيات لجأت إلى قطع الأشجار لتدفئة غرف المرضى، في وقت تحذر فيه منظمات الإغاثة من أن الوضع سيزداد سوءا إذا لم يتحرك المجتمع الدولي.
وكان البنك الدولي يمول البرنامج الصحي الأفغاني في السابق، لكن المساعدات توقفت في أغسطس مع سيطرة طالبان على السلطة، تاركا 2300 منشأة طبية من دون أي تمويل لشراء الإمدادات الطبية أو دفع رواتب الموظفين.
وبحلول أواخر أيلول، أغلقت معظم هذه المستشفيات والعيادات أبوابها، ولا يزال أقل من واحد من كل خمسة مراكز طبية مفتوحا، وفقا لتقرير للأمم المتحدة.
وحتى قبل صعود طالبان للحكم في كابل، كان الفقر وانعدام الأمن الغذائي منتشرين على نطاق واسع بسبب موجات الجفاف المتعاقبة والتدهور الاقتصادي الحاد بالإضافة إلى وباء فيروس كورونا.
لكن بعد ثلاثة أشهر من حكم الحركة الإسلامية، ساءت الأزمة بسرعة وتوقفت مليارات الدولارات من مساعدات التنمية الخارجية، ما حرم البلاد من الأموال التي كانت تدعم الاقتصاد والخدمات الرئيسية وعمال الإغاثة.
ومع حلول فصل الشتاء شديد البرودة، يواجه ما يقرب من 23 مليون شخص، أكثر من نصف السكان، مستويات شديدة من الجوع، وفقا للأمم المتحدة. ويواجه ما لا يقل عن مليون طفل من دون سن الخامسة خطر الموت من الجوع.
وتقول بلقيس، وهي جدة لطفلة تبلغ من العمر 3 سنوات تعاني من الجوع الشديد، إن “والدتها مريضة ونحن فقراء. حاولت (والدتها) إرضاعها، ولكن ليس لديها حليب لتعطيها”. وتزن الطفلة كاميلا 5 كيلوغرامات، وتظهر عظامها بشكل واضح على جلدها المتجعد جراء الجوع الشديد.
وقالت بلقيس إن كاميلا تعاني من سوء التغذية منذ ثمانية أشهر ونقلتها إلى مستشفى في قندهار مليء بالأطفال الذين يواجهون ذات المشكلة.
ويكافح ملايين الأفغان من أجل البقاء على قيد الحياة على خلفية النقص الحاد في الغذاء خلال الشتاء القارس والانهيار الاقتصادي، إذ تطالب المنظمات الحقوقية بالمزيد من المساعدات الخارجية، وتقول إن الفئات الأكثر ضعفاً، النساء والأطفال، تعاني بشدة من الأزمة.
في المقابل، أقرت حركة طالبان الحاكمة في البلاد بـ”المشاكل الاقتصادية” لكنها نفت بشدة وجود أزمة، ووصفت هذه المزاعم بأنها “وهمية”.وقال المتحدث باسم طالبان، ذبيح الله مجاهد، في بيان لشبكة “سي إن إن”، إنه “لن يموت أحد من الجوع؛ لأنه لا توجد مجاعة والمدن مليئة بالطعام”.
ويعتمد الغالبية العظمى من الأفغان على الزراعة لكسب عيشهم، لكن البلاد خسرت 40 بالمئة من محصولها هذا العام بسبب الجفاف، وفقا لبرنامج الغذاء العالمي. ومع تضاؤل الإمدادات الغذائية، ارتفعت أسعار المواد الغذائية الأساسية مثل القمح والخبز بشكل كبير مما ساهم في سحق الطبقة الوسطى في البلاد وزيادة معدلات الفقر والجوع.
وقال مسافر الذي لم يكشف عن اسمه الثاني، “ليس لدينا سوى الماء والخبز. أحيانا يكون لدينا، وفي أوقات أخرى لا يوجد شيء نأكله”. في وقت سابق من هذا الشهر، اصطحب مسافر ابنته الصغيرة راضية إلى مستشفى مقاطعة غور في شاغشاران عاصمة الإقليم بسبب معاناتها من الجوع.
وتبلغ راضية من العمر 3 سنوات تقريبا، لكن عظام صدرها وعمودها الفقري يبرزان بوضوح شديد، إذ تزور المستشفى للمرة الثالثة في ظرف 8 أشهر من دون أن تتحسن حالتها.
أما في مخيمات النزوح الداخلي، تلجأ بعض أفقر العائلات التي لم يتبق لها شيء تبيعه إلى تزويج الإناث من أطفالها. وقال العديد من الآباء لشبكة “سي إن إن” الإخبارية إن هذه هي الطريقة الوحيدة لإبقاء أطفالهم الآخرين على قيد الحياة.
من جهته، أقر المتحدث باسم طالبان في بيان للشبكة الأميركية بأن الشعب الأفغاني بحاجة ماسة إلى الغذاء والإمدادات الطبية. وقال إن طالبان “تحاول زيادة هذه المساعدات” وتوزيعها على الناس إلى جانب المنظمات الإنسانية.
إلى ذلك، حث الطبيب، بول شبيغل، من جامعة “جونز هوبكنز”، والذي عاد لتوه من أفغانستان كمستشار لبرنامج الأغذية العالمي، الدول الأجنبية على إعادة النظر في تجميدها للدعم لأفغانستان بعد استحواذ طالبان على السلطة.
وقال، “يتعين على الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي اتخاذ بعض القرارات بسرعة وإلا سيكون الأوان متأخرا وسيكون هناك قدر هائل من الوفيات غير الضرورية”.
والأربعاء، تبنى مجلس الأمن الدولي قرارا بالإجماع اقترحته الولايات المتحدة من شأنه تسهيل المساعدة الانسانية لأفغانستان على مدى عام، في ظل الصعوبات الاقتصادية الجمة التي يعانيها هذا البلد، على أمل ألا تستغله حركة طالبان التي رحبت بالنص.
وينص القرار على “السماح بدفع الأموال والأصول المالية” على غرار “تأمين السلع والخدمات الضرورية” لتلبية “الحاجات الإنسانية الأساسية في أفغانستان”، من دون أن يشكل هذا الأمر “انتهاكا” للعقوبات المفروضة على كيانات مرتبطة بطالبان. ويشكل تبني القرار خطوة أولى للأمم المتحدة إزاء أفغانستان التي يحكمها نظام طالبان منذ آب الفائت من دون أن يعترف به المجتمع الدولي حتى الآن.