تطورات المنطقة على وقع الانتخابات الأميركية والفرنسية
معركة إقليمية أبعد من المشهد السوري
لفت مراقبين كثر رد الخارجية الاميركية على الانتقادات السياسية والاعلامية بعدم سحب السفير روبرت فورد من مركزه في دمشق الذي وصله قبل اشهر قليلة وقبل اسابيع من اندلاع الانتفاضة الشعبية في سوريا، معتبرة ان هناك فائدة كبيرة لوجود السفير على الارض لمتابعة ما يجري وللاجتماع مع المعارضين السوريين. وهذا الامر يثير تساؤلات باعتبار ان ليس معهودا ان يتساهل النظام السوري مع المعارضين السوريين بحيث يسهل التقاءهم السفير الاميركي من دون ان يلاحقوا بتهمة المعارضة اصلا ثم بتهمة اللقاء مع السفير الاميركي، وما يمكن ان يثبت ذلك في الخطاب التقليدي من عمالة المعارضة للولايات المتحدة او اتهام النظام السوري هذه الاخيرة بالسعي الى تحريك الارض بغية اطاحة النظام وكسر ارادته في الممانعة والمقاومة وما الى ذلك. وفي المقابل لفت كثر ايضا عدم ذكر وزير الخارجية السوري وليد المعلم الولايات المتحدة من قريب او بعيد في مؤتمره الصحافي الاخير، في حين انه شن هجوما على الموقف الاوروبي وعلى فرنسا تحديدا معلنا ان بلاده ستنسى وجود اوروبا على الخارطة، ولم يقصر في توجيه اللوم والانتقاد الى تركيا ايضا. وقد رأى هؤلاء المراقبون في الموقف السوري رغبة في عدم وضع الجميع في سلة واحدة واعلان التعبئة ضد الدول الغربية كلها، في حين ان الولايات المتحدة لم تبلغ بعد على رغم الانتقادات التي وجهتها الى اسلوب مواجهة الرئيس السوري الانتفاضة الشعبية في المناطق السورية درجة اعلان فقدان الاسد شرعيته او مطالبته بالرحيل شأن اعلان وزير الخارجية الفرنسي ألان جوبيه حول فقدان الرئيس السوري شرعيته. لا بل يؤخذ على الادارة الاميركية ارتباكها الواضح في موضوع التعاطي مع سوريا، في حين يرى كثر ان الانتقادات السورية لتركيا تندرج في اطار انتقاد قيامها بدور ناقل الرسائل الاميركي في الدرجة الاولى من اجل التأثير على نحو اكبر بالقرار السوري وعدم استفزاز النظام السوري او حتى خدمته من خلال تقديم اعذار له بانه يتصدى للاملاءات الاميركية في شأن ادارته الشأن الداخلي السوري، في الوقت الذي تسري في لبنان معطيات تفيد بعدم التخلي الاميركي عن النظام السوري حتى الآن وكذلك الامر بالنسبة الى الموقف الاسرائيلي، وهو امر واضح في الخطاب الاميركي الرسمي المعتمد على رغم الرسائل الضاغطة المتعددة.
وتقول مصادر معنية إن الصورة المباشرة التي يتم التعاطي بها على الصعيد الاعلامي تتصل بواقع الكر والفر بين النظام في سوريا والمعارضة، في حين ان المشهد الاقليمي الذي يستند الى التطورات السورية اكثر تعقيدا بكثير من ذلك الذي يحدث في دول اخرى في معركة اقليمية سياسية حادة تتوزع محاورها بين ايران التي يتهمها الغرب بمساعدة النظام وتقديم المعدات له لقمع المعارضين السوريين، فيما يفرض الاتحاد الاوروبي عقوبات على ثلاثة مسؤولين عسكريين ايرانيين في هذا الاطار على نحو يثبت وجود معلومات لدى هذه الدول تفيد بتورط ايران ميدانيا الى جانب النظام السوري، على رغم استباق الوزير المعلم هذه الخطوة الاوروبية بنفي الدعم اللوجستي الايراني للنظام السوري. بين تركيا التي اضحت مواقفها متماهية كليا مع الموقف الغربي اي الاميركي والاوروبي من حيث نوعية الرسائل الموجهة الى سوريا، وبين الدول العربية التي ليس واضحا اذا كانت ستترك الصراع بين ايران وتركيا قائما حول سوريا ام هي ستتدخل في مرحلة نضوج ما للتطورات في سوريا من اجل اخراج حل تتفادى فيه ما حصل في العراق لعدم مشاركتها في اخراج الحلول الملائمة له في الوقت الذي يجري الحديث عن انتظار الدول العربية لقرار حاسم من الدول الغربية من اجل التعاطي على اساسه مع الحال السورية في مقابل الكلام الاوروبي الذي يعزو غياب موقف دولي محتمل من سوريا الى عدم وجود موقف عربي واضح من التطورات السورية مماثل لذلك الذي اتخذته هذه الدول من الوضع الليبي.
في اي، حال يسجل المراقبون نقيضين في المواقف الغربية ولو ان هناك تنسيقا معلنا وفقا للاتصالات واللقاءات التنسيقية التي يعلن عنها. فهناك الموقف الاميركي الذي يتصرف باسلوب معين في ظل هاجس الانتخابات الرئاسية المقبلة المرتقبة في تشرين الثاني من سنة 2012. وهذا الاداء ينعكس ليس على الموقف الاميركي من سوريا باعتبار ان الوضع في هذه الاخيرة والاستقرار فيها يشكل عاملا من عوامل الاستقرار بالنسبة الى اسرائيل، بل ايضا على الموقف الاميركي من انشاء الدولة الفلسطينية والتي اعلنت الادارة الاميركية معارضتها الموافقة على الحصول على اعتراف بالدولة الفلسطينية في الجمعية العمومية للامم المتحدة في ايلول المقبل. ففي سنة التحضير للانتخابات الرئاسية التي يستعد الرئيس باراك اوباما لخوضها، يصعب الرهان على مواقف حاسمة لا ترتبط ارتباطا وثيقا بالانتخابات الرئاسية. وهناك الموقف الفرنسي الذي يقود التوجهات في داخل الاتحاد الاوروبي والذي يدفع قدما في الملف السوري في مجلس الامن كما في الملف الفلسطيني من زاوية خوض الرئيس الفرنسي انتخاباته الرئاسية في ربيع 2012، وذلك من حيث ابقاء الباب مفتوحا امام الاعتراف بالدولة الفلسطينية.