.jpg)
تسود مقولة مفادها أن لكل دولة جيشها، ما عدا في مصر، حيث للجيش دولته، في إشارة للإمبراطورية الاقتصادية للجيش المصري ودوره المتقدم في السياسة. ومن المعلوم أيضاً، أن لكل دولة مافيا خاصة بها، ما عدا في لبنان، إذ تلتف جذور المافيا الحاكمة حول عنق جثة الدولة بعدما نهلت دمها حتى آخر قطرة.
ووفقاً لمبدأ قتل القتيل والسير في جنازته، يعلو نحيب أوركسترا المافيا في جنازة الجمهورية اللبنانية ودستورها. وفيما يظن الشعب أنه سائر خلف الجنازة مكفكفاً دموعه “على السِكَّيت”، يغفل أن ضباط الإيقاع خططوا لدفنه والجمهورية سوياً عند نهاية الطريق. وهنا تظهر مهارة دوزنة آلات القتل، بأنها معدَّة للقتل البطيء والصامت.
في الواقع اللبناني اليومي، تكثر آلات القتل الممنهجة، أما تعدادها مجتمعة فهو أقرب للاستحالة، إذ تحول لبنان بذاته لمقبرة كبيرة تتخبط شياطينه محترقة في نار جهنمه. غير أن ذكر أبرز المحطات على درب جلجلة إذلال المواطن في أتون بلده، خصوصاً في العام 2021، واجب تجاه القيامة المرجوة عند نهاية الدرب.
تفاقمت ظاهرة الطوابير بشكل هستيري في العام 2021. ولم تقتصر الطوابير اللامتناهية على محطات الوقود فقط، بل توسعت لتطاول أغلبية القطاعات التي يمكن تصنيفها بالوجودية مع انقطاع الأساسيات أو شحّها في السوق. وبينما رافق حرق الأعصاب حرق كل نقطة بنزين، أكان لفقدان المادة من السوق أو لارتفاع سعرها، كان ابتلاع حبة الدواء كابتلاع “الموس”.
ولتوازن الرعب معنى آخر في قاموس الذل. فكيفية اكتشاف معادلة توازن الـ10 ليتر بنزين المسموح بها بعد طابور الساعتين، بين جردة الصيدليات بحثاً عن الدواء المقطوع وبين توفيره للطابور اللاحق، بمثابة رعب حقيقي.
ويغرق اللبناني في بحر الإعلام بين موجة تطمينات تارةً، على الرغم من شكِّه الدائم بالأخبار الإيجابية، وبين إشاعات أو أخبار متشائمة تارةً أخرى، تجعله يهرول صوب أبواب الأفران أو باتجاه الصرّافين.
وعلى عدّاد بورصة محرقة الأسعار ينام ويصحو المواطن. من أسعار المحروقات حتى ربطة الخبز فصرف الدولار، ومن التعاميم المالية غير الواضحة إلى التحليلات الاقتصادية الفضفاضة أو المعقدة.
ومن مفارقات الأزمة اللبنانية، أنه لا يمكن “طبش” الباب في وجهها. فكم منّا لم يعد يجرؤ على أخذ المصعد خوفاً من انقطاع الكهرباء؟ أما العائلات التي اضطرت لوقف اشتراكها بالمولدات بعد رفع الدعم عن المازوت، فلا تعد ولا تحصى. وحدِّث ولا حرج عن الاستحمام بالمياه الباردة.
ولمعضلة التدفئة حديث آخر. فلا كهرباء لأجهزة التدفئة الكهربائية، وإن وُجدت وخوفاً على فاتورة “آخر الشهر”، يتجنب المواطن استعمالها. ومع الأسعار الفاحشة للمازوت والغاز، أصبحت وسائل التدفئة الأخرى في خبر كان.
وإلى جانب السادية، يمتاز حكّامنا بحبّهم للعزلة. فبالإضافة إلى أزمة المقاطعة الخليجية وارتداداتها الهدّامة سياسياً اقتصادياً واجتماعياً، تأتي العزلة المفروضة جرّاء انقطاع الاتصالات والإنترنت الدائم ما يقطع بأرزاق آلاف الناس.
الحديث عن حصار على لبنان صحيح وفعلي، لكن تصويباً للبوصلة، فإن الحصار مفروض ذاتياً لا خارجياً. غياب الردع بمكافحة المخدرات وتجاهل فيل “الحزب” في الغرفة اللبنانية، حسب المقولة الإنكليزية الشهيرة، وصولاً للفساد المستشري في مختلف القطاعات، كلها عوامل أوصلت البلاد للانهيار والقطاعات للإفلاس.
يقول مخائيل نعيمه في كتابه “من وحي المسيح”، “بذل يسوع نفسه على الصليب لا ليفتدي العالم من الخطيئة، بل ليدلّه على طريق الخلاص منها. إذ لا بدّ لطالب الخلاص من أَن يبلغه بجهده الخاص، وأيُّ قيمةٍ لخلاصٍ يأتيك من دون عناءٍ منك؟”. ومع توقيع مرسوم دعوة الهيئات الناخبة لانتخاب أعضاء مجلس النواب الجدد، إن أولى خطوات خلاص لبنان وشعبه بورقة صغيرة، فأحسنوا الاختيار.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
