تشكل المواجهة المفتوحة والدائمة بين الولايات المتحدة و"حزب الله" مكونا ثابتا من مكونات الالتباس التي واجهت الحكومات المتعاقبة بما فيها تلك التي كانت قوى 14 آذار تحظى بغالبيتها. وبهذا الواقع المعتاد لم يكن مفاجئا ان يبدأ رئيس الحكومة ووزراء في الحكومة الميقاتية عقد اجتماعات مع السفيرة الاميركية في حين كان الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله يتهم وكالة الاستخبارات الاميركية باختراق حزبه. غير ان ما يضفي خصوصية مستجدة على هذه المواجهة انها تبدو هذه المرة محمولة بعناصر تنطوي على منسوب ارفع من الحدة في ضوء ثلاثة ابعاد متزاحمة عند تزامن خطر. فهي البديل عن ضائع من حرب دولية – اقليمية عبر لبنان وهذه المرة تتكئ الى خلفية الازمة السورية. وهي المواجهة الاصيلة بين العمود الفقري لحكومة الاكثرية وواشنطن. وهي النذير المتقدم لاحتمال صدور القرار الظني للمحكمة الدولية.
معنى ذلك ان الحكومة الميقاتية ستقبل، ومعها لبنان بأسره، على اختبار شديد القسوة، في ضوء راديكالية مزدوجة بدأت الولايات المتحدة و"حزب الله" يطلقان مؤشراتها. فمشروع القرار المطروح في الكونغرس الاميركي والذي يحمل اسم "حزب الله" تحديدا ليس سوى نذير تشدد اميركي مع الحكومة يخشى ان يفضي الى استحضار نمط العقوبات او العزل الكلي او الجزئي. واتهام السيد نصرالله للسفارة الاميركية بأنها "وكر للجواسيس" ليس بدوره سوى رسم خطوط متقدمة للمواجهة قد تنسحب مفاعيلها على السياسات الحكومية الخارجية وبعض سلوكياتها الأمنية في الداخل ايضا.
بطبيعة الحال لم تعلن الادارة الاميركية حتى الآن تبنيها للتوجهات التي يحملها مشروع القرار في الكونغرس، ولا ذهب السيد نصرالله الى الطلب من الحكومة اتخاذ خطوات دراماتيكية في العلاقات مع واشنطن. ولكن ذلك لا يحجب الدلالة الخطرة للمقدمات. وليس غريبا والحال هذه ان تفاقم مؤشرات المواجهة المتصاعدة مأزق الحكومة في البحث عن الصيغة السحرية لمسألة المحكمة الدولية. فسواء صدر القرار الظني في القريب العاجل ام لم يصدر، المأزق ماثل بأقوى صوره ايا بلغت قوة الغموض البناء في صياغة مطاطة او في اجتراح مخرج يقرب من "اللاصيغة".
فهذه الواقعة محسوبة اصلا في معزل عن المتغيرات الهائلة التي حصلت اخيرا، فكيف مع حكومة لقوى الاكثرية لا يصنفها الاميركيون والغربيون الا حكومة "حزب الله؟
بذلك تكون معالم هذه المقدمات اقرب الى رسم الاطار الاقليمي – الدولي للمواجهة التي تقترب من لبنان. وهو الاختبار الاقسى من مجرد اجتراح صيغة لغوية. فبين مشروع قرار راديكالي في الكونغرس واتهام راديكالي آخر يوجهه "حزب الله" الى عوكر ولانغلي، كيف تراها تكون السرايا في بحثها عن مسارب خشية الحصار الذي يدنو بقوة؟ وهل تكفي بلاغة حسن التخلص لرد هذا الزحف؟