اعتاد البعض منّا ممارسات الحزب المسلّح في لبنان، وتأثيراتها السلبيّة على البلد وأهله، غير أنّنا راهناً دخلنا في طور جديد رغم إلفة التفاصيل.
في تلك التفاصيل، أن لا جديد في الأداء الأمني وكل متفرّعاته، باعتبار أنّ "حزب الله" سبق وأن شارك وساهم في تتبّع مشتبه بهم بالعمالة وإلقاء القبض عليهم، ثم تسليمهم إلى السلطة الرسمية المعنية، وبعد ذلك إطلاق مواقف تتناسب و"طبيعة" الحالة: إذا كانت آتية من أطر الأخصام، وَجُبَ شرعاً وكيداً وسياسةً وصل الليل بالنهار وتطويع اللغة وفتح الهواء وصفحات الصحف وتزيين المنابر بالتصريحات في كل اتجاه، باعتبار أنّ البيئة السياسية الحاضنة لهؤلاء العملاء هي المسؤولة عن إنتاجهم وتخميرهم!
.. أما إذا كانت حالة العمالة آتية من حلفاء آخر زمن، أو من داخل الدار والمدار فوَجَبَ شرعاً وسياسةً وكيداً، التطنيش قدر الإمكان وتخفيض مستوى الصوت إلى أدنى مستوى ممكن.. ثم بعد ذلك العودة إلى لعبة الإنكار المعهودة: تحويل الهزيمة (المعنوية والسياسية والأمنية) إلى انتصار آخر مُسيَّج بالرضى الإلهي.
الجديد في هذا الطور القديم والمألوف، هو اننا إزاء حالة غير مسبوقة في الفعل ورد الفعل. إذ إنّها المرّة الأولى التي يكشف فيها "حزب الله" عن فعل عمالة وتجسّس داخل صفوفه. والمرّة الأولى أيضاً التي يتصرّف بها الحزب وكأنّه فعلياً (وإضافياً) دولة مكتملة المواصفات: ولا كلمة واحدة تشير إلى أي جهاز أمني رسمي في ما حصل. ثم ولا إشارة واحدة إلى ضرورة إحالة الملف إلى الأطر القضائية والأمنية الرسمية القائمة. وبعدها ولا كلمة واحدة (يمكن أن تُستعار من المطولات السابقة الخاصة بالخصوم) في شأن العقاب الواجب..
حتى عند الشكليات ما عاد الحزب القائد يتوقف أو يهتم. المهم أن يقول ما لديه وعلى الآخرين الإنصات، وبعدها فليذهب مَنْ يشاء إلى حيث يشاء طالما أنّ الركيزة الأساسية باقية في مكانها. وهذه الركيزة تفيد بأنّ "فكرة" الدولة المركزيّة تزداد تهشيماً فوق تهشيم. وقصة "الازدواجية" الأولى الخاصة بالسلاح ومشتقاته ومتفرّعاته (ومنها الأمن) فعلت فعلها في ذاك المنحى، ويأتي الآن دور البقية المتمّمة، وفي أوّلها القضاء وعدالة الدولة الواحدة والجامعة.
.. غارق في أناه، ومُتماهٍ مع حَالِه "حزب الله". ولا يرى شيئاً آخر في هذه الدنيا. ولا يهمّه إلا إطاره التنظيمي ومناخه "الجهادي" وكل ما يؤدي إلى خدمته. أكان ذلك أشخاصاً أم تنظيمات أم مؤسسات أم دولاً. والباقي سيّان، أكان ذلك الباقي تراثاً من العداء له والشغل ضدّه في كل مكان. مثل حالة النائب ميشال عون وصحبه. أو كان طعناً بالصميم لحالات شعبية تتعرّض للمهانة والقتل علماً أنّها جزء من مرافعاته دفاعاً عن طليعية المقاومة والممانعة في مقابل نظام عربي عام قرّر الجلوس في العتم إزاء النزاع مع إسرائيل!
طور جديد، ظاهره "إنجازات" و"انتصارات"، وباطنه مآزق حقيقية وكبرى.. وتوتّر مؤذٍ وسيزداد أذاه!