الأسد جيّر الإعلان لساركوزي متجنّباً إظهار استجابته لمطالبه
العلاقات الديبلوماسية ترجمة لاستمرار الضغوط الدولية على سوريا
واكب الرئيس السوري بشار الاسد فك عزلته الدولية في مشاركته في مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط، أو بالاحرى استبقها بحملة لدى بعض الديبلوماسيات في الدول الاوروبية المؤثرة بما فيها دولة الفاتيكان، تتسم بالمرونة والرغبة في فتح صفحة جديدة. اذ ان سفراء دمشق في هذه الدول سعوا الى تخفيف حدة المواقف الغربية من دمشق عبر اظهار مجموعة خطوات ايجابية ساهمت فيها العاصمة السورية في الآونة الاخيرة في عدد من النقاط الحساسة في المنطقة. فعدّ هؤلاء لمحدثيهم تسهيل سوريا حصول انتخابات رئاسية في لبنان والمساهمة في التوصل الى اتفاق الدوحة كما عددوا ما يعتبرونه مساهمة ايجابية جدا من سوريا في تطرية الاوضاع بين السلطة الفلسطينية وحركة " حماس" في فلسطين الى جانب مساعدة اللاجئين العراقيين ومنع عبور المقاتلين عبر حدودها الى العراق فضلا عن معاودة المفاوضات بينها وبين اسرائيل بوساطة تركية. وحملة التسويق السورية هذه تسير في موازاة السعي الى ابراز الدور الضروري الذي لا غنى عنه لسوريا في حل ازمات المنطقة. فجاء تجيير سوريا لفرنسا بالذات اعلان خطوة تبادل العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسوريا ليستكمل او يتوج هذا المنحى الراهن للنظام السوري الراغب في الخروج من عزلته بتلبية بعض الشروط الدولية منه، ولكن من دون ان يظهر خضوعه لهذه الضغوط او تأثره بها. من هذه الشروط تبادل السفارات بين لبنان وسوريا على ما طالبت المجموعة الدولية اكثر من مرة.
فهذه الخطوة مهمة جدا لاعتبارات من بينها: ان سوريا رفضت لاكثر من خمسين عاما تبادل السفارات مع لبنان واقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين. ولولا ان لرفض تبادل السفارات معنى كبيراً لكان هذا التبادل حصل منذ زمن بعيد. اذ انه قد يصح ان سوريا لا تقيم علاقات ديبلوماسية مع عدد كبير من دول العالم، مما لا يعني ان دمشق لا تعترف بهم او باستقلالهم ، كما يقول الرئيس السوري، لكن ليست لسائر دول العالم مصالح مشتركة كتلك التي بين لبنان وسوريا تتطلب رعاية مباشرة للبلدين وهذا الامتداد من الحدود المشتركة. ولا يمكن تصور ان يكون لسوريا علاقات مع جزيرة فيجي مثلا ولا يكون لها علاقات ديبلوماسية مع لبنان. فحتى الامس القريب كانت النظرة السورية الى لبنان انه شعب واحد في دولتين، وتالياً فان اي نظام لا يقيم علاقات ديبلوماسية بين ابنائه. وثمة شعارات سورية أخرى كانت ترفع في معرض رفض العلاقات الديبلوماسية بين البلدين كانت تختصر منطقا سوريا لا يعترف بلبنان السيد المستقل. فهل اقامة علاقات ديبلوماسية بين البلدين تعني اقتناعا باحداث تغيير في هذا المنطق بحيث يحترم لبنان لذاته ويحترم استقلاله ولا يعود يعتبر جزءاً من سوريا تطمح الى استعادته؟
وهذه الخطوة مهمة، وان حاول الرئيس السوري التخفيف من وقعها او من اهميتها كونها كما قال تعود الى قرار اتخذه قبل ثلاث سنوات. الا ان استمرار ربطها من سوريا خصوصا في الآونة الاخيرة، ساعة بحكومة وحدة وطنية تأتي بسلة متكاملة من الشروط، وساعة برئيس آخر للحكومة او بأكثرية غير الاكثرية النيابية الحالية، يعني ان للخطوة السورية بتبادل السفارات أبعادا ومغزى. فلا تود التسليم بها على انها انجاز لبناني او بالاحرى انجاز يستكمل تحرك قوى 14 آذار، فضلاً عن أن سوريا لم تبادر الى أي خطوة تؤكد اعترافها بلبنان او سلّمت باستقلاله في أي شكل. وكان في استطاعتها ان تقدم هذه الهدية الى الرئيس الذي مددت له في رئاسة الجمهورية كما كان باستطاعتها ان تطلق المعتقلين اللبنانيين لديها لمصلحة الرئيس اللبناني السابق او لاي حليف لها من اجل تدعيم موقعه. لكنها لم تفعل إذ ان دمشق أبرزت أن خطوات من هذا النوع لا تقدم عليها الا تحت الضغط القوي او انها تحاول بيعها من الخارج لقاء اثمان معينة تسعى الى الحصول على مقابل لها على ما هي الحال في الاعلان عن ذلك على لسان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي واعتباره هذه الخطوة "تاريخية".
وهذه الخطوة مهمة لكونها تشي باستمرار الضغوط الدولية على سوريا من اجل القيام بالخطوات اللازمة لاحترام استقلال لبنان وعدم عودته "مونوبول" سورياً كليا كما استتب الامر لدمشق خلال ثلاثين سنة، وهو الامر الذي يعني استمرار الالتزام الدولي او بالاحرى التزام الدول الكبرى تحصين المكتسبات التي حصل عليها لبنان بخروج القوات السورية من اراضيه نهائيا في نيسان 2005 وما يعنيه ذلك من عدم تراجع عن هذا الالتزام، وان شابته حركة مدّ وجزر قوية وملتبسة في الاشهر الاخيرة على نحو خاص. ولكن يبقى تنفيذ هذه الخطوة وإلحاقها بالخطوات الاخرى في القرار 1701 او ما اتفق عليه الافرقاء اللبنانيون على طاولة الحوار كما قال الرئيس العماد ميشال سليمان. فهل تنفذ سوريا هذه الخطوات ام تؤجلها الى مناسبات اخرى مماثلة للحاجة الى القمة من أجل المتوسط ؟