إنّ القرارَ ذا الرّقم 1701، والمستنِد الى القرار 1559 ضمناً، الصّادر عن مجلس الأمن بتاريخ الحادي عشر من آب سنة 2006، ينصّ في بندِهِ الخامس على ما يلي: ” … فرض سيطرة الحكومة اللبنانية على أراضيها، من خلال قواتها المسلّحة الشرعيّة، في شكلٍ لا يترك أيّ مجالٍ لأسلحةٍ، أو سلطةٍ غيرِ سلطةِ الدولة اللبنانية…”. كما يركّزُ في بندِه العاشر على إلزاميّةِ ” نزع السلاح “…
إنّ المحتوى الواضح، والمباشر، لمنطوقِ القرارَين 1701 و1559، والمتناغم مع ما جاءَ في وثيقةِ الوفاقِ الوطنيّ، في الطّائف، يضعُ خارطةَ طريقٍ ينبغي الالتزام بها، للخروجِ من الأزمةِ المفروضةِ على الوطن، والتي لم يستطعْ مُقتَرِفوها، ومّنْ يساندُهم، في مقاربتِهم إيّاها، غيرَ الوقوعِ، وبسهولة، في منزلقاتٍ تفضحُهم.
بين لبنانَ والدّولِ الشّقيقةِ والصّديقة، عربيّاً ودَوليّاً، عِشرةٌ حميمةٌ استُهِلَّت منذُ أجيال، وقد أظهرَ بلدُنا مهارةً موصوفةً في تمتينها، بالرّغمِ من بعضِ الجفاءِ الذي فرضَتهُ ظروفٌ لازمَتِ المنطقةَ، ولم يكنْ لبنانُ مُسَبّبَها، أو من صُنّاعِها. وقد وُصِفَ تعاطي لبنانَ النّاجحُ مع بلدانِ الدّنيا، بأنّه صادرٌ عن براعةٍ في الدبلوماسيّة، ما أعطى البلدَ وجهاً رياديّاً في مسألةِ العلاقاتِ الإقليميّةِ والعالميّة. ودامَ هذا الإيقاعُ، واتَّسَع، يومَ أتقنَتِ الدولةُ تَوفيةَ هذه العلاقاتِ الموزونة، بعدمِ تدخّلِها في شؤونِ سواها، وباتّخاذِ مواقفَ حياديّة من النّزاعاتِ القريبةِ من حدودِها، وبمشاركتِها صيغةَ عدمِ الانحياز إلّا للقضايا العادلةِ والمُحِقَّة.
لم يكنْ هذا النَّمطُ في التّعاطي مع الخارجِ مُصطَنَعاً، بالرَّغمِ مِمّا دُسَّ عليه من تلفيقٍ لم يكنْ سوى رواياتٍ مزيَّفةٍ حُبِكَت للنّيلِ من مركزِ لبنانَ العالميّ، ومن مقامِهِ بين الدُّولِ التي كَنَّت له الاحترام، والتّقدير، ولم تَتَوانَ عن تقديمِ مساعداتٍ، وهِباتٍ، في كلِّ مرّةٍ يرزحُ البلدُ تحت ثِقَلِ أزمة. وما الموفَدون، والمندوبونَ الذين يتوالى وصولُهم الى بلدِنا، حاضراً، إلّا البرهانُ الأكيد على ما للبنانَ في قلوبِ الأشقّاءِ، والأصدقاء، من مكانةٍ مرموقة، ومن محبّةٍ خالصة، هؤلاءِ الذين في يدِهم مَقبضٌ يديرُ جهازَ المساعدةِ، والعناية، بدونِ تَصَدُّقٍ أو منَّة.
في رحلةٍ خاطفةٍ الى بلدانِ العالَم، يمكنُ أن نرى، وبموضوعيّةٍ مطلَقَة، أنّ ما يحصلُ، عندَنا، هو واقعٌ ذَميم، وتشُوَّهاتٌ تنالُ من سلامةِ البلد، وتجاوزاتٌ تقضي على أنفاسِ الناس، يسوقُها مَشبوهون يرمون الى استنساخِ تَكَهُّفٍ انحطاطيٍّ يشلُّ بلداً كان قادراً على الوَثبِ. وهؤلاءِ غيرُ الشرعيّين، وخاطِفو الدولة، والمُعتَدون على مؤسّساتِها، وسيادتِها، وقرارِها، لا نلحظُ لمثلِهم وجوداً في أيِّ قطرٍ، أو دولةٍ، أو بلد، ما يطرحُ السؤال: لماذا تَمَّت استباحةُ الوطن، وسُفِكَت كرامتُه، ليُعادَ الى أزمنةِ التزمّتِ، والأُصوليّة، بعدَ أن كان السبّاقَ، في المنطقة، في العبورِ الى عصورِ التّنوير، والدولة، والقوانين المدنيّة؟
في مُطلقِ الأحوال، إنّ إجهاضَ القراراتِ الأُمَمِيّة الخاصةِ بلبنان، ليس سوى وجهٍ آخرَ لهَدرِ دمِ الوطن، في عمليّةٍ قتلٍ لا سابقَ لها. والمُستَغرَبُ، في هذه المسألة، أنّ ” المُجهِضينَ ” يتّهمونَ المُنادين بتطبيقِ هذه القرارات، والمدافِعين عنها، بالخيانةِ والإساءةِ الى قضيّةِ المقاومة، خدمةً للعدوّ. أمّا الحقيقةُ التي لا تقبلُ الجَدَل، فهي أنّ الذين امتلكوا القرارَ من الأوصياءِ المُدَجَّجين فرضوا نفسَهم ثابتاً ضربَ مفهومَ الوطنِ ككيانٍ، ومشروعَ الدولةِ كسيادة. وهؤلاءِ، بالذات، حدّدوا ما وصفوهُ بالمحرَّماتِ والمحظورات، وخارجَ قيدِ البحث، وفي طليعةِ الممنوعِ المطالبةُ بتنفيذ القراراتِ الدوليّةِ ذاتِ الصّلةِ بالتفلّتِ الأمنيّ النّاتجِ عن وجودِ سلاحٍ غيرِ شرعيٍّ خارجَ الدولة.
إنّ الاحتفاظ بالسّلاح، تحتَ أيِّ مبرّر، هو حالةٌ مرفوضة، وفخٌّ يؤدّي الوقوعُ فيه الى فقدانِ عاملِ الأمانِ الوطنيّ، والى وضعِ رقبةِ البلدِ تحتَ مقصلةِ ضياعِ خصوصيّةِ لبنان، سيّداً، حرّاً، منفتحاً، بوّابةً للشّرق، والى زجِّهِ في أتونِ المَحاور، والمواجهاتِ العقيمة، والتزمّتِ اللّاحضاريّ، والتّقوقعِ الرّافضِ قَبولَ الآخرين، وهذه كلُّها تعني سقوطَ القِيَمِ الكيانيّةِ التي لطالما تماهى معها وجودُ لبنانَ، واستمرارُه.
إنّ الدعوةَ الى حصرِ السّلاحِ بيَدِ الدولة، كما وردَ في القراراتِ الأمميّة، وكما أُبلِغَ المسؤولونَ بها من جانبِ مُحِبّي لبنان، وهو كُثُرٌ ومخلِصون، هي انحيازٌ للوطن، ولغةٌ راقيةٌ تسعى الى استعادةِ الدولةِ المنشولةِ الى حضنِ السيادة، ونصيحةٌ أخويّةٌ صادقةٌ ينبغي تكريمُها ليس فقط بالاستماع إليها، بل بتنفيذِ مضمونِها لانتشالِ لبنانَ من دربٍ كثيرةِ الحُفَر. أمّا رفضُها من بعضِ حديثي الطّراز، عندَنا، المستَقوينَ بعِتادِهم المُزَيَّف، لتحقيقِ وعدٍ خائبٍ بتحويلِ وجهِ لبنانَ مُشبَعاً بالقبح، فذلك لن يمرَّ، ولن تُجهِزَ كوابيسُهُ على حلمِ الناس، بشرطِ أن يُزيلَ هؤلاءِ نظامَ الخوفِ عن نَبضِهم، وأن يُستَهَضَ إباؤُهم، وتمرّدُهم، وأن تستمرَّ مطالبتُهم بتطبيقِ مقرّراتِ الأمم المتّحدةِ، والمتوافقةِ مع مضمونِ الدّستور، لرفعِ الخطرِ عن الوطنِ برَفعِ هيمنةِ السّلاحِ البِدعَة، والمرتَبِطِ بالفساد، وبتدميرِ مؤسّساتِ الدولة، وبالإمعانِ في تشويهِ صورةِ لبنانَ، وبالسّطوِ على قرارِ السلطة، وبهدمِ مكوّناتِ الأملِ لدى الذين لم يتحوّلْ رجاؤُهم، بعدُ، الى يأسٍ قاتل.
إنّ القراراتِ الدوليّةَ تدحضُ صكَّ انتدابِ لبنانَ لتحويلِهِ ولايةً خاضعةً لمشروعٍ استعماري سافر، ولتثبيتِ واقعٍ مشبوهٍ لا يمتُّ بصِلةٍ الى تاريخِه، وهويّتِهِ العربيّة، وحضورِهِ العالميّ. كما أنّ التّحذيراتِ المُتتابعةَ، في هذا الشأن، والتي تمَّ إبلاغُها الى السّلطةِ، حِرصاً على مصلحةِ البلاد، تشكّلُ إنذاراً نهائيّاً، وخطيراً، ينبغي التنبّهُ له. واستناداً، فإنّ الدولةَ هي أمامَ خيارٍ مفصليٍّ، فإمّا اقترافُ الذَّنبِ الكبيرِ بالخضوعِ والانحسار عن المجابهة، وإمّا المواجهةُ الجريئةُ وهي الدَّورُ الوطنيُّ الذي، وحدَه، يُنقذُ لبنان.