#dfp #adsense

ديكتاتور أبيض وثلاث قلاليس

حجم الخط

يا ربي شو حلو شو حلو لبنان حين يلبس كل ذاك الابيض الناصع المتدفق حنيناً ودفئاً وخشوعاً. يا هالارض المنذورة لحلا الرب كله. يفلش الديكتاتور الابيض أحكامه العرفية على مساحات ارض الرب. بأمرك سيدنا. له فقط نستسلم بفرح من دون مقاومة، ولا مواجهة، ولا ثورة لأجل الكرامة والسيادة وما شابه. ينهال الثلج ديكتاتوراً ناصعاً فوق جبال لبنان وسهوله، وننصاع له بكل استسلام. ما احلاه، ملعون ساحر يتغاوى فوق جبالنا وجردنا العالي، مدلل مغنّج شايف حالو، يعرف اننا دائماً في حال الحنين والشوق المتواصل لسطوته. يتغاوى الديكتاتور الابيض فوق جبالنا ليخبرنا ان جبالنا بتضل عالية عالية لفوق فوق مهما غمرتنا الانكسارات. يخبرنا الثلج ان جبالنا لا تزال عالية حتى لو انحنت بعض الجباه. يخبرنا الثلج ان المسيح هو اعلى الجباه والجبهات، وان ثمة جباه راسها يبقى دائماً مرفوعاً الى حيث قمم جبالنا وضياعنا المرمية بسحر الابيض، ولا تنحني الا لجبروت الطبيعة وربنا. “ليكو” جبالنا وجرودنا شو حلوة حين تنصاع لذاك الساحر المستبد بشغافنا وتعلن له الاستسلام المطلق وتنام في حضنه عاشقة.

“هادا كانون فحل الشتي يا ستي ع ايامنا كان يبقى التلج شهر ع بوابنا قامات”، تقول ستي وهي تحكش بابور الحطب. “قال بيسمّوا هالعواصف اسامي اجنبية، ليك هالكفر، كيف يعني هيك كـ ستي؟” تسألني بغضب شديد. لا يقبل أهالي القرى الاسامي الاجنبية الطارئة على مصطلحات المراصد الجوية، وصفحات الطقس عبر فيسبوك. لا اسماء اجنبية لعواصفنا في قاموس اهل الضيعة، بل اسماء بلدية لبنانية من وحي تقاليدنا وأعيادنا وتراثنا.

قال، وبحسب التراث الماروني العتيق، فان اسماء العواصف تأتي منها وفيها، وهي موجودة في التقليد الكنسي الماروني منذ مئات السنين. “هالعاصفة سمّوها الكسا وبعدين غيّروا لـ”هبة”. ستّي تضحك في عبّها، تخلع منديلها المطرّز بالاويا، تعقص شعرها الابيض الى الخلف، وتجلس قبالة بابور الحطب كمن يتحضّر لاعلان موقف خطير “هيدي عواصف التلات قلاليس ستي، وغير هالحكي ما تصدقي وروحي سألي أبونا مطانيوس”. معها حق المحتالة، اذ وبحسب التوصيف الماروني اياه، اسم العواصف الثلاث المتتالية على لبنان هو “تلجات القلاليس الرهبانية التلاتة الكبار”. ما يعني ان اول عاصفة كان بطلها ابو اول قلّوسة، اي مار انطونيوس الكبير، وكان عيده في 18 كانون الثاني، العاصفة الثانية التي بدأت ليل الاحد في 23 كانون الثاني، بطلها ابو القلّوسة الثانية، اي مار افرام السرياني وعيده فيّ 28 ك2، اما العاصفة الثالثة الموعودة، فبطلها سيكون ابو القلوسة الثالثة، اي مار مارون العظيم وعيده في 9 شباط، “وبين القلوسة والقلوسة والقلوسة بتبقى الدني منحوسة” كانوا يقولون، والنحس هنا بمعناه الايجابي الفكاهي، اي عواصف وثلوج وخير الله كتير. والرهبان المعتقون في زمنهم، لا يزالوا يعتبرون تلك العواصف نعمة كبيرة من الرب، غمر بها الارض والشعب، وأكثر من ذلك، كانوا يعتبرونها من علامات الرضى، ودلالة على ان هؤلاء الرهبان الثلاثة الكبار هم دائماً معنا.

ليل الثلج ينهرق بدلال فائق فوق مساحات الجرد تلك. نعرف ان ثمة من لا يجد ما يتدثر به غير جلده وقطعة قماش بالية، في دولة لا تقدم لنا الا الصقيع. نعرف ان ثمة من لا يستطيع ان يشعل موقداً في بيته ليتّقي عقصة البرد القارص في دولة جعلتنا وقوداً متجمداً في صقيعه لأجل مدافئها ومعاجنها، لكن الرب يعرف كيف يدفئ شعبه، للرب طرقه الخاصة، يد الرب لا تريد ان تعطش الارض وتجف الينابيع وتيبس مواسمنا، فيرسل لنا ذاك الديكتاتور الجميل ليسحر قلوبنا، وليجعل من الارض ينابيع فوارة بالنعمة ويرتوي كل عطشان ويشبع كل جائع، وتبقى ارض لبنان خضراء لان جبالها بيضاء ناصعة كجباه الكرامة.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل