كلمتي اليوم في مناقشة بيان الحكومة الوزاري تتعلق بنظرتها أو الأصح افتقار رؤيتها لسياسة اقتصادية ومالية واضحة المعالم.
ولكن لا يسعني إلاّ أن أبدأ بنقل أسفي وحزني من طريقة تعاطي هذه الحكومة بملف تبيان حقيقة جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه وكافة الشهداء الأبرار.
ففي الوقت الذي انتظرنا من حليف الرئيس سعد الحريري الانتخابي والسياسي في طرابلس أي الرئيس نجيب ميقاتي أن يدعم الالتزامات اللبنانية تجاه العمل لكشف الحقيقة وتحقيق العدالة إذا بنا نصاب بالدهشة والذهول من هول النكول والتنصل الذي صاغته فقرة البيان الوزاري للحكومة الماثلة أمامنا المتعلقة بموضوع المحكمة الخاصة بلبنان.
وبدلاً من تأكيد الالتزام بالمحكمة كما كان حال الحكومات السابقة، إذا بالحكومة تخبرنا عبر بيانها أنها قررت المراقبة والمتابعة بكل احترام ورصانة ولكن مبدئيا وليس عمليا. لقد قررت الحكومة الانقلاب على المحكمة وتغيير مكان اصطفافها إلى جانب المتهمين وليس إلى جانب الشهداء المظلومين.
وهنا وبالرغم من تصريحات دولتك أمام الإعلام بأنك ستتابع الإجراءات الآيلة إلى تطبيق قرارات المحكمة ومنها المتعلق بمساهمة الدولة في نفقاتها ليس إلا وعودا غير ملزمة.فكل كلام صادر عنكم خارج هذا المجلس ليس ذات قيمة وعليكم الالتزام بهذا التمويل هنا وإلا يكون وصفنا لكم اليوم بالمنقلبين وبالتضليل واقعا في محله الصحيح. ما عليكم إلا ان تتعهدوا اليوم وقبل إقرار موازنة العام 2012 ان تحولوا مبلغا يمثل حصة لبنان أو قسما مهما منه من احتياطي الموازنة إثباتا لرغبتكم ونيتكم وغير ذلك ما هو إلا وعود في الهواء.
فشكرا يا دولة الرئيس لتحريرك سعد الحريري واتخاذ موقعه كرهينة لنظام الحزب الواحد".
اضاف "في الشق الاقتصادي لا يقدم البيان تصورا للبنان في السنوات المقبلة وهو بالتالي يفتقر إلى الرؤية، ولا يصور المشكلات الرئيسية التي تواجهه على هذا الطريق وهو بالتالي يفتقر إلى فهم حقيقي للتحديات. كما لا يقترح أي إجراء عملي لمعالجة هذه التحديات، فهو بالتالي يفتقر إلى الواقعية والعملانية.
بادىء ذي بدء تغيب عن هذا البيان مرتكزات أساسية تدل عن العجز في السياسة المالية بحوالى 300 كلمة ولا يأتي فيها على ذكر أهم مصطلح وهو الحساب الأولي والفائض الواجب تحقيقه منه. وهو بذلك يدل على أن من صاغه ليس غائبا فقط عن بيئته بل هو غائب أيضا عما يجري حوله في العالم وعبر المتوسط في بلدان أوروبية كاليونان يتشابه وضع لبنان المالي مع وضعها إلى حدٍ بعيد.
بالإضافة إلى ذلك يعطي البيان وعود بإنفاق استثماري دون أن يحدد كيفية تعزيز الإيرادات أو تأمين التمويل لهكذا إنفاق حيث يعتمد على المصارف من دون إدراك نسبة تباطؤ وفود الرساميل وتدني نسبة ارتفاع الودائع في القطاع المصرفي بسبب تدهور عامل الثقة الناجم عن ممارسات من هم وراء الانقلاب على الرئيس سعد الحريري ووراء تشكيل هذه الحكومة.
يتكلم البيان عن عملية التصحيح الضرورية للنمط الاقتصادي القائم بدلاً أن يتكلم عن تطويره. فالفرق كبير بين أن يتم البحث في أسس النظام الاقتصادي كل مرة تشكل حكومة وبين أن تسعى أي حكومة جديدة إلى تطوير هذا النظام من خلال تعظيم إيجابياته ومعالجة سلبياته بما يتلاءم مع متغيرات العصر وتحدياته.
ولكم استغربت أن يطغى الفكر الاقتصادي الشمولي الراديكالي الذي أشبعنا تعطيلاً وتنظيراً في الفترة الماضية، على فكر رئيس الحكومة الذي كنا نأمل بأن تكون تجربته الرائدة في القطاع الخاص قد أهلته لأن يدرك أن أكثر ما يخيف المستثمرين هو هذا الأسلوب في الجدل البيزنطي وهذا السعي الدائم إلى إعادة صوغ فلسفة النظام الاقتصادي وبأن الاستمرارية ليست فقط أساس الحكم بل هي أيضاً أساس ثقة المستثمر.
ولقد انتظرت أن يتأثر البيان بمن نجح في القطاع الخاص فإذا به يكتب من قبل من فشل في القطاع العام.
تماشياً مع إمعان هذه الحكومة في رفع شعارات رمادية وضبابية أتى شعار ضرورة تصحيح النمط الاقتصادي من دون تحديد رؤية الحكومة لجهة سلبيات هذا النمط أو لجهة ما تهدف إليه من نمط جديد ومن دون أن تسلط الضوء على العوامل المراد تنفيذها لتحفيز النمو أو على الخطوات الآيلة لضبط العجز أو أي إجراءات تريح المواطن من جهة والمستثمر من جهة أخرى.
وهنا استنباطاً للون أبيض كان أم أسود لا يسعني إلاّ أن أسأل دولة الرئيس ميقاتي، هل يريد تصحيح النمط الاقتصادي الذي اتبعته الحكومات السابقة المبني على انفتاح وتحرير الأسواق وتطويرها والاعتماد على القطاع الخاص كرافعة لاقتصادنا الوطني وصيانة الحريات الاقتصادية ضمن ضوابط بدء بإرسائها من خلال هيئات ناظمة ورقابية مستقلة عُطِّل ما عطِّل منها بعض وزراؤه الماثلين اليوم أمامنا؟
أم تصحيح النمط الاقتصادي المتعلق بتشجيع الاستثمارات من خلال الحوافز المعطاة للقطاع الخاص وتأمين بيئة تشريعية داعمة ومستقرة لجهة قوانين الضرائب والرسوم وثبات سعر صرف الليرة اللبنانية من خلال قطاع مصرفي ناشط ومزدهر ومحفز لقطاعات الخدمات والتكنولوجيا والصناعة والزراعة؟
أم تصحيح النمط الاقتصادي المتمثل بعلاقات اقتصادنا الخارجية والتزاماته باتفاقاته الثنائية والدولية على غرار ما اتفق عليه في مؤتمري باريس-II وباريس-III أم على غرار التزامنا بالشراكة مع الاتحاد الأوروبي أو الولوج إلى منظمة التجارة العالمية؟
أم تصحيح النمط باستكمال مشاريع البنى التحتية الضرورية لحياة ورفاهية اللبنانيين من مواصلات واتصالات وصحة ومياه وما تتطلبه هذه المشاريع من تمويل داخلي وخارجي؟
أم تصحيح النمط أو ربما الانقلاب على مشاريع القوانين الـ69 العالقة في المجلس النيابي التي يتعلق العديد منها بإصلاحات اقتصادية ضرورية؟
وتابع "بالله قل لي يا دولة الرئيس أي نمط اقتصادي تريد؟أما بالنسبة لعوامل تحفيز النمو التي تدعي انتظارها والتي تنوي إحداثها فما هي؟
هل تتمثل بإعادة النظر بالنظام الضريبي الذي نوهت إليه من خلال مقابلاتك المتلفزة أم هي بالتأكيد ما تعدنا به من خلال البيان الوزاري والمتمثل بإعادة توزيع أعباء إيرادات الدولة بشكلٍ… وهنا اقتبس… "يؤمن تصحيح العجز البنيوي المتمادي ويحقق عدالة اقتصادية واجتماعية أفضل، ويعيد الاعتبار إلى مداخيل الإنتاج مقارنةً مع مداخيل الريع".
اسمح لي يا دولة الرئيس أن أترجم للعموم هذه اللغة الملتوية ولكن الواضحة لجهة الأهداف. ما تعدنا به هذه الحكومة هو إعادة النظر بمجمل النسب الضريبية حيث ستفرض حتما نسبا أعلى على العديد من القطاعات الاقتصادية التي تنشد هذه الحكومة، ولو نثرا، تحفيزها.
من المؤكد أن حكومتكم ستفرض ضرائب بنسب أعلى وربما ضرائب مستحدثة على ما يسميه البيان مداخيل الريع ويقصد به أرباح القطاع المالي والمصرفي من إيرادات الفوائد وإيرادات توزيع الأرباح كما ستفرض ضرائب على القطاع العقاري المبني وغير المبني وربما على العديد من الأنشطة الاقتصادية الاستثمارية مما سيؤدي حتماً إلى انكماش تلك القطاعات بدلاً من تحفيزها.
بالله كيف لنا تحفيز القطاع الخاص الواعد من خلال رفع الضرائب والرسوم على قطاعات منتجة. وهنا لا يسعني إلا أن أذكر دولة الرئيس نجيب ميقاتي وبعض وزرائه ممن كنا معاً في صفوف الهيئات الاقتصادية في الماضي القريب من أواخر التسعينات وتحديداً عام 1999 عندما قامت حكومة الرئيس الحص بمحاولة التصحيح المالي معتمدةً على نصائح أحد المستشارين الذين أصبح وزيراً ماثلاً أمامنا اليوم أمامنا، وكيف أن زيادة الضرائب والرسوم آنذاك أدت إلى انكماش الأسواق اللبنانية، مما أدى إلى تراجع النمو إلى مستويات سلبية وتفاقم العجز وفقدان الثقة باقتصادنا الوطني.
أي نمو وأي فرص عمل وفي أي قطاع واعد يمكننا التطلع إليه؟ طبعاً ليس في قطاع الاتصالات، هذا القطاع الذي تعرفه يا دولة الرئيس ميقاتي عن ظهر قلب. وهو القطاع الأكثر خلقاً لفرص العمل لشبابنا اللبناني، وأنت تعلم ذلك. ولكن كيف؟ بدلاً من تحريره نتجه بثبات نحو تأميمه من خلال ممارسات وزير الاتصالات السابق الذي أمعن بإرساء احتكار الدولة على كامل مفارق هذا القطاع، وأشك، نعم أشك أن تكون ممارسات زميله في تيار التغيير والإصلاح مختلفة عن سلفه، وان غداً لناظره قريب. ويا ليتني أكون مخطئاً فيفاجئني الوزير صحناوي بالإفراج عن الأموال العائدة للخزينة والبالغة حوالي 1.800 مليون دولار كما أتمنى أن يفاجئني بتطبيق القوانين خاصة القانون 431 ويحترم ويتعاون مع الهيئة المنظمة للاتصالات، كما قد يفاجئني ويعود عن وهنا اقتبس… "إرساء قواعد واضحة لضبط آليات العمل بين الوزارة والهيئة، أي هيئة أوجيرو، بحيث يعملان كجسم واحد" أي يعود ويحترم القوانين وقرارات مجلس الوزراء لجهة استقلالية هيئة أوجيرو والبدء بتحويلها إلى شركة Liban Telecom. وربما قد يفاجئنا أيضاً من خلال صياغته لسياسة قطاعية متكاملة أسوة بباقي القطاعات المنتجة خلافاً لتقاعس سلفه على هذا الصعيد، وربما يعيد للقطاع الخاص الدور الذي يجب أن يلعبه محرراً القطاع من مخالب تسلط سلفه عليه.
أما بالنسبة لمشروعك ضبط النفقات ذات المردودية الضئيلة، فأي منها يا دولة الرئيس ميقاتي تصف؟
هل هي النفقات الجارية من رواتب وتعويضات وخدمة دين وضمان اجتماعي ودعم للقمح وشراء محروقات والتي تبلغ حوالى 14 ألف مليار ليرة لبنانية أو ما نسبته 80% من مجمل نفقات الدولة؟
أم هل هي نفقات الخزينة من دعم لمؤسسة كهرباء لبنان ونفقات البلديات وقيمتها حوالى 3 آلاف مليار ليرة لبنانية أم هل هي النفقات الاستثمارية من مشاريع إنمائية وصيانة والتي تبلغ اليوم حوالي ألف مليار ليرة لبنانية.
إنني أتطلع فعلاً أن تتمكنوا من ضبط النفقات، كل النفقات خاصة في وجه المطالبات بالإنفاق التي تنتظركم من قبل شركائكم في وزارات الخدمات من طاقة ومياه وأشغال وصحة وعمل.
عليك فقط أن تسأل وزارة المال كم أنفق بعضهم خلال السنتين الماضيتين متخطين الإنفاق خارج القاعدة الإثني عشرية والتي أثير حولها ما أثير من غبار ومعارك طواحين الهواء في ما سمي آنذاك بالـ11 مليار دولار والتي وصلت اليوم إلى حوالي 17 مليار دولار.
قل لي يا دولة الرئيس ميقاتي كيف ستوازن بين ضبط النفقات وما تعده في بيانك الوزاري من إطلاق لبرنامج الإنفاق الاستثماري من كهرباء ونقل عام وصرف صحي وسدود؟ هل ستوافق على تمويل هذه المشاريع من داخل الموازنة أي عن طريق إحداث دين داخلي جديد وبكلفة عالية، كما يريد بعض وزرائك من اجل التحكم بإرساء تلك المشاريع المقدرة بمئات ملايين الدولارات على بعض المحظيين من دون حسيب أو رقيب أو معايير دولية. أم أنك ستعمل على تمويل هذه المشاريع من خلال قروض ميسرة بمعايير وشروط ورقابة خارجية من قبل الجهات المانحة؟
وأخيراً عودةً إلى أول البند 28 المتعلق بسياسة الحكومة الاقتصادية وادعاؤها أن "التطورات الاقتصادية العالمية والأوضاع الإقليمية أدت إلى انحساب نسبي لتوقعات النمو الاقتصادي في لبنان".
وسأل "هل إن التطورات العالمية هي التي أدت إلى تراجع النمو في لبنان، أم أن سببه غياب الاستقرار السياسي والأمني الذي نجم عن ممارسات الفريق السياسي الذي شكل هذه الحكومة؟ إن الحكومة ومن خلال هذا النص تتهرب من مسؤولياتها وترد فشلها سلفاً إلى الأسباب الخارجية.
لقد دلت التجارب على أن لبنان أثبت مناعته ضد الأزمات الخارجية. وأكبر دليل على ذلك كيف أنه، وفي عهد حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، نجح ليس فقط في تجنب انعكاسات أعتى أزمة اقتصادية عالمية في العام 2008، بل استفاد منها بفضل السياسات المالية والاقتصادية الحكيمة والسليمة وبفعل الاستقرار السياسية والأمني الداخلي، إضافة إلى توفير بنى تحتية متطورة، وتحسين بيئة الأعمال، واستقرار في التشريع الضريبي وتعزيز ثقة المستثمر.
هذه أسس عملت عليها حكومات الرئيس الشهيد رفيق الحريري وبعده الرئيس فؤاد السنيورة والرئيس سعد الحريري، من أجل تحفيز عوامل النمو، ما خوّلنا من تحقيق معدلات نمو مرتفعة بلغت 8 في المئة كمعدل وسطي في السنوات الأربع الماضية، ما أدى إلى انخفاض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي من 180 في المئة في آخر عام 2007 إلى 138 في المئة في آخر عام 2010، إضافة إلى تراجع معدلات الفوائد بواقع 3 نقاط مئوية في الفترة نفسها، وزيادة استثمارات القطاع الخاص في القطاعات الاقتصادية كافة، وزيادة ملحوظة في القروض الممنوحة للقطاع الخاص من استثمارية واستهلاكية وسكنية.
من هنا يتضح أن من أهم عوامل النمو الاقتصادي هو الاستقرار السياسي والأمني، وهو ما نفتقده اليوم في ظل حكومة اللون الواحد والحزب الواحد، حكومة الكيدية ومواجهة المجتمع الدولي. وهذا هو السبب الحقيقي لـ "انحسار توقعات النمو".
وبناء على ما تقدم، إنني أحجب الثقة عن هذه الحكومة.
كلمة النائب غازي يوسف من مجلس النواب
المصدر:
وكالات