#adsense

الاقلاع عن الانتحار؟

حجم الخط

لم يكن تطوراً عادياً على الاطلاق ان يعبر لبنان في أسبوع من صدمة القرار الاتهامي ولو متوقعا ومرتقبا الى افتتاح منبريات النقاش السياسي على غاربها في مجلس النواب دونما سقوط في محظور الاختلالات الامنية.
فالامر يتصل ببيئة قابلة واقعيا للاشتعال التقليدي التاريخي، وأي شذوذ عن هذه الآفة وإقلاع عنها يستأهل معاينة دقيقة اكثر من عابرة.

واقع الحال ان هذا العبور السلس الاستثنائي يضع لبنان امام مفارقة تاريخية، هي ان البلد المفطور على ان يكون سباقا في اشعال البؤر يتجه هذه المرة عكس السير الاقليمي، بل يكاد يكون مع بضعة بلدان قليلة متبقية في المنطقة ضمن رزمة البلدان الاكثر استقرارا نسبيا بازاء سواها، ومهما ارتفع ضجيج الحوربة السياسية المتصاعدة، ثمة ثابت واضح في ان القوى اللبنانية تنفس عن كربها خلف خط احمر كبير هو الامتناع عن الانتحار.

لعلها لحظة حقيقة كبيرة فعلا ان يصل نضج التجارب بالطوائف اللبنانية الى إعلاء مصلحة الطائفة الى حدود تجنب الانتحار مهما كانت الاعتبارات، والامر يبدو شاملا على رغم كل الهواجس المشروعة والواقعية التي تصدرها انفعالات المعسكرين السياسيين العريضين.

واذا كان هذا البعد يتصل مباشرة برعب الفتنة المذهبية، فلا ضير ايضا في معادلة اخرى تكشف ان لا حرب تندلع في لبنان الا بعوامل تحريك خارجية. هذه المرة، المحركون جميعا سقطوا بدورهم في ما سبقهم اليه لبنان الضحية الدائمة. لم يعد لدى اي طائفة من تتكئ اليه في الخارج، وهذا افضل الوقائع التي قد يجد لبنان نفسه امامها، اي ان يكون عاريا من هذا النوع المرَضي الذي فطر عليه ولو بدا الحديث عنه بمثابة استباق رومنسي غير واقعي.

توحي التجربة الحذرة الناشئة بأن احتواء الصدمة الاولى للقرار الاتهامي كان ناجحا بدليل محاذرة المعسكرين العبث بالشارع. تعرف الطوائف المقتدرة تمام المعرفة ان مدّ اليد الى الشارع الآن يوازي الالتحاق الفوري بساحات الاشتعال العربية. ثم ان الحسابات الطوائفية على تناقضها وتصادمها تقاطعت عند المفترق الامني. يمكن المعارضة الجديدة ان تثبت بهذا الاحتواء عقم معادلة التخويف من العدالة وتصويرها خطرا على الاستقرار. ويمكن الموالاة الجديدة ان تثبت من جانبها قدرتها على عدم التفريط بفرصة الامساك بالسلطة ولو تحت وطأة مواجهة مع المجتمع الدولي. وحتى لو بدا مبكرا سوق اي توقعات في شأن المسار الصعب والمعقد لهذه الحسابات بوجهيها المتصادمين فإن ذلك لا يقلل شأن تطور سلمي كهذا تمتنع معه الطوائف عن مبارزة القفز الى الهاوية.

المصدر:
النهار

خبر عاجل