#adsense

وليسَ يُرمى إلّا باسِقُ الشَّجَرِ

حجم الخط

لا شكّ في أنّ العنفوانيّين من اللبنانيين يشكّلون مجموعةً ترفض الخنوع، والقهر، والإخضاع، وهم مَسكونون بالشّرف، والمواجهة، ولو كان الثّمنُ حياتَهم، لذلك، آمنوا بأنّ تَعافي الوضع الوطني ليس أمراً مستحيلاً، بل يحتاج الى قرارٍ صائبٍ، وسلوكٍ نزيه، ما يؤدّي، حتماً، الى لجم المسار الإنحداري، وضبط استشراء الفساد في البلاد، والوقوف سدّاً منيعاً في وجه مؤامرة انتداب لبنان، بالإستقواء، والهيمنة الهمجيّة.

إزاءَ الأوضاع المقلقة، سياسياً، واقتصادياً، ونقدياً، واجتماعياً، برز رجلٌ له مَذاقٌ خاص، ميزاتُهُ العنفوانُ، والمصداقيّة، والصراحةُ، والجرأة، والمسؤولية، قاربَ الأحوالَ المتردّيةَ التي أودَت بالناسِ الى ما هم عليه من يأسٍ، وبؤسٍ، وإحباط، وعقدَ العزمَ على ترسيخِ حلولٍ تعالجُ الأزمةَ المستشريةَ، بنُضجٍ، وموضوعيّةٍ، محرِّكُهُ الأساسيّ حِسُّهُ الوطنيّ، واندفاعُه لاستعادةِ الوطنِ من دائرة النّار. وهل سمير جعجع إلّا القياديُّ الفذّ، صاحبُ الرؤيةِ الإستشرافيّةِ التي لطالما وضعَت الإصبعَ على الجراح، وقدّمَت سُبُلَ المعالجةِ المجدية، في وقتٍ لا نرى، عندَنا، سوى تقاعسِ مَنْ في الحكمِ، وتخرّصاتِ بعضِ الذين أَلقَوا على أسمائهم أَلقاباً باهِتَة.

إنّ آفاقَ البلادِ، على الصعيدَين السياسيّ والإقتصادي، لا تسمح بتفاؤلٍ موضوعيّ، نتيجةَ سلوكِ العجز الذي انتهجه القيّمونَ على المسؤولية في الدولة. لذا، قرَّرَ سمير جعجع انّه لا بدّ من تحرّكٍ واعٍ، وناضج، ينظّمُ برنامجَ التصَدّي للأزمة بهدفِ الحدِّ من الإنحدار صوبَ جهنّم. إنّ تداعيات الإنهيار الذي أَثقلَ كاهلَ الناس، تجلَّت في تدهور سعر صرف الليرة إزاءَ الدولار الأميركي، وارتفاع نسبة الغلاء بشكلٍ لا يُحتَمَل، وتفاقم عجز خزينة الدولة، وتسارع موجة الهجرة التي أفرغت البلاد من العقول والأيدي العاملة الشابّة … وعلى الرّغم من هذه الظروف المأسوية، لم يتوقّف جعجع، لحظةً، عن متابعةِ اهتمامه المتواصل، متكيِّفاً مع الأوضاع المستجِدَّة، يوماً بعد يوم، ومحافظاً على استمراريّة حضورِهِ في صلبِ الأحداث، ودائميّةِ دعواتِه الى تشكيلِ جبهةٍ سياديّةٍ تحضنُ الشّعب الذي، لطالما، اصطفَّ الى جانبه، وما خَذَلَه أبداً.

لقد اتّسمت مسيرةُ سمير جعجع الوطنيّة بتجذّرِ انتمائه الى لبنان، وبرصيده في الولاء والوفاء لبلدٍ شقَّ منه طريقه الى النضال، متميّزاً بعنفوانٍ راسخ، وباستقامةٍ وطنيّةٍ لم تَمِلْ عن الأمانةِ والثَبات. هذا الرّصيدُ الذي واكبَ جعجع في مسيرته السياسيةِ والوطنيّة، أمّن له حضوراً وازناً في الدّاخل، واحتراماً خارجَ مساحةِ الوطن، تجلَّت في علاقاتٍ مُعتَبَرَةٍ مع مرجعيّاتٍ مرموقةٍ في دُوَلِ العالم، لا سيّما في العالم العربي. وقد انبرى جعجع الى توضيح مشكلةِ البلد الأساسية، للداخلِ كما للدولِ الشقيقةِ والصديقة، وهي وجودُ دويلةٍ داخل الدولة، تعملُ على استجلابِ مشروعٍ هجينٍ ينهي الصّيغةَ، ويسوق الوطنَ الى عصورِ الإنحطاط.

لم يفكّر سمير جعجع، يوماً، بغير الوطن الذي كان محورَ اهتمامه، وقال إنّ أيَّ نشاطٍ لا يكون البلدُ هدفَه، هو نشاطٌ فاشلٌ لا معنى له. وهذا الإقتناعُ الراسخُ كان في أساس مقاربته لكلّ الشؤون السياسية، ولتعاطيه مع الناس، ولمبادراتِه، في مسارٍ طويلٍ من العملِ الدّؤوب، بعيداً عن أنانيّةٍ مكروهةٍ هي هدفُ سواه من الفارغين، وهم كُثُر. من هنا، كان تعاطي جعجع بالشأن العام، تحصيناً لحقِّ الوطن، ودعماً لمفهومِ السيادة، وغيرةً على الهوية، وبناءً لنبضٍ ثوريٍّ يواجهُ مشاريع تقويض الدولة، ما أكسبَه تأييدَ الناس، وثقتَهم، وهما رأسُماله في عملِهِ السياسيّ النّظيف. لقد دافع سمير جعجع عن الصيغة اللبنانية الفريدة، القائمة على الشّركةِ والعيشِ الواحد، في دولةٍ سيّدةٍ تنأى عن الصراعاتِ وتلتزمُ المواثيقَ العربيةَ والدوليّة، من دون أن يكون حيادُها قوقعةً أو تخلّياً عن القضايا المحِقَّة لا سيّما قضيّة العرب الأولى.

في ظلِّ الأزماتِ التي توالَت على الوطنِ وأنهكَته، لم يكن سمير جعجع أخرسَ الصوت، فهو تَنَغَّصَ من جَعلِ لبنانَ كَبِشَ محرقةٍ بتقاعُسِ مسؤوليه، وبتآمرِ الأقربين والأبعدين، ما مَلَأَ قلبَ الوطنِ بكلِّ قبيح. ولم يَلِنْ خَدُّهُ، ولم تسكنْ زفرتُهُ، لأنه لم يَرضَ أن تكونَ البلادُ للخُطوبِ داراً، ولعُبّادِ مصالحِهم ملاذاً. أمّا النضالُ الوطني فكان مستمراً، وقد أبرزَ رجلاً متمسِّكاً بسيادةِ لبنان، مؤكِّداً على نظامه الديمقراطيِّ، مواجهاً التحديّاتِ المُحدِقَةِ بالبلاد، وذلك، بفَهمٍ، ودرايةٍ، ووعيٍ ثاقبٍ، ورجوليّةٍ موصوفةٍ. إنّ الوطنَ، معه، ليس ذكرياتِ المدرسة، ولا زِيّاً يُلبَسُ ويُخلَع، إنه الجبلُ المعتصِمُ بالكرامة، والمتمرِّسُ بالإباء، لا يلوي، ولا يلين مهما قَسا عليه التراب.

سمير جعجع، أيها السّاة، هو من العائلةِ المالِكةِ في الوطنيّة، لذلك، فإنّ سلوكَهُ الوطنيّ له شجرةُ نَسَب. وإنْ ساقَهُ الإضطرارُ الى خَوضِ تجاربِ الخطر، وهي كثيرةٌ ومُضنِية، لكنّ محطّاتِ التألّقِ الوطنيّ لم تتعثَّرْ بأعراضِ المخاطرِ، والمصاعبِ، وأيّامِ الأزمات، فلم يسلّم جعجع سنابلَه الى مِنجَلِ اليَباس، وتحكَّمَ بأغراضِ المواجهةِ تَحَكُّمَ الآمِرِ لا المَأمور. من هنا، لا بدَّ من ناشطٍ يحادثُ الزّمنَ من تحتِ الشَّوك، مُثبِتاً أنّ عصرَ الوطنيّةِ الصِّرف ما انتهى، وأنّ الإنجازاتِ الوطنيّةَ لا تُبنى بالزّخارفِ، بل بعدمِ التردُّدِ في إعلاءِ مداميكِها باندفاعٍ لا يعرفُ الكَلَل.

إنّ أمثالَ سمير جعجع، إنْ وُجِدوا، هم أقطابُ المجتمعِ حيثُ يتنفّسُ الوطنُ الذي كان له منهم حَظّ، فجعجع عقلٌ نَيِّرٌ، وهمَّةٌ جريئة، ونضالٌ صادق، يبني، في كلِّ لَمحَة، لحظةً تأسيسيّةً في مداميكِ الوطن. إنّ الرّشدَ في مواقفه الوطنيّة هو تَحَسُّسٌ أفرزَه نضالٌ طويل، ليسَ أفلاطونيَّ الشُّرود، ولا هو كبرياءٌ مُنَفِّر، بِقَدرِ ما هو صيغَةُ تجربةٍ وطنيّةٍ عميقة، تَرقى بقيمتِها الى أن تتمدَّدَ فوقَ جسدِ الأيام، سِمَةً للحاضرِ، ورؤيةً للمستقبل.

من الطبيعيّ جداً، أن تنهالَ على هذا الرَّجلِ الفريد، في فكرِه، ووطنيتِه، شتّى أنواعِ التهجّمات، والتّشويه، والخبث، وأشنعُ النّعوتِ المُخجِلة، وأن يتنافسَ الحقيرون، كما الجاحدون، في أدهى استحضارٍ لوقائعَ لم يعدْ لها مكانٌ في ذاكرةِ الوطن، وذلك لاستنهاضِ أحقادٍ دفينة، بانحطاطٍ خُلُقيٍّ موصوف… وما هَمّ، فقاماتُ الكاذِبين، والمُفتَرين، هي عاريةُ العظام، لو طُرِحَت الى الذّئبِ لَعافَها.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل