لم يعد الحصول على ثقة المجلس النيابي، وبعدد لا بأس به من الأصوات، هاجسا يؤرق حكومة الرئيس نجيب ميقاتي، التي يجلس أعضاؤها بهدوء يستمعون إلى مبارزة كلامية بين فريقي 8 و14 آذار الفعليين في البرلمان. فالهاجس الأكبر، والذي تحوّل أزمة تهدّد كل اللبنانيين، هو المواجهة الأخطر بين هذين الفريقين القائمة على معادلة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان لجهة الالتزام بها أو إسقاطها، مع ما يعنيه الاحتمالان من خيارات وتداعيات محلّية ودولية على الساحة الداخلية.
وفي هذا السياق، فإن المعركة الشرسة التي انطلقت أخيرا خارج البرلمان وداخله على خلفية المحكمة الدولية، طغت على بنود البيان الوزاري وأعطت الحكومة هامشا من الحرية في الوصول إلى إقرارها، باستثناء البند المتعلّق بالقرارات الدولية، وحصرت بالتالي النقاش بتفاصيل هذا الملفّ وحده، ومهّدت لمرحلة من التجاذب الحاد ستستمر بعد حصول الحكومة على الثقة.
فرئيس الحكومة أعدّ فريقه مسبقا للمبارزة النيابية، وذلك من خلال حملة استباقية استندت في جزء كبير منها على القرار الاتهامي وعلى معاني العدالة والاستقرار والسلم الأهلي، وسرعان ما أتى الردّ قاسيا من قبل تيّار "المستقبل" أوّلا، وفريق 14 آذار ثانيا. وكانت نتيجة المواجهة الأولى خروج الرئيس ميقاتي، وقبل ساعات معدودة على المناقشة النيابية، من موقع "الوسطية" الذي لطالما أعلن أنه ثابت فيه، وبالتالي تكريس الاصطفاف الخطير. فكانت الخطوة الأولى في مسيرة توتير الوضع السياسي على رغم حال الهدوء والحذر التي سادت الأجواء، غداة صدور مذكّرات التوقيف في حقّ متّهمين بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيما سيكون العنوان الذي أعلنته قوى 14 آذار في وجه الرئيس ميقاتي، والذي طالبه الالتزام بالمحكمة الدولية أو الرحيل، الخطوة الثانية.
والتحدّي الأبرز، وفق مصادر ديبلوماسية غربية، هو مقاربة الحكومة مجتمعة، وبغض النظر عن فريق الأكثرية، للقرارات الدولية وردّة فعل المجتمع الدولي والمؤسّسات الدولية مع لبنان بشكل عام، وليس مع فريق دون آخر. وهذا العنصر هو ما ألمح إليه غير مسؤول في الأكثرية في الأيام الماضية، حيث اتّهم معارضي الحكومة بالإعداد لحملة عربية ودولية لاستدراج "عقوبات" على الدولة اللبنانية، على خلفية معلومات عن زيارات سيقوم بها عدد من النواب في المعارضة إلى السفارات العربية والغربية في لبنان لتسليمها مذكّرات باسم قوى 14 آذار تطالب دولها بعدم التعامل مع الحكومة اللبنانية التي انقلبت على المحكمة الدولية.
واعتبرت هذه المصادر أن ارتفاع حرارة الخطاب السياسي الداخلي لن ينعكس بشكل واسع على الوضع العام، ذلك أن التصعيد لم يتخطّ، وحتى الساعة، الحدود السياسية والإعلامية، لكنها توقّعت في الوقت نفسه توالي المواقف الدولية من السجال حول المحكمة الدولية، والتي كان باكورتها الموقف الروسي الأخير الداعم لهذه المحكمة، والداعي إلى ضرورة كشف الحقيقة حول اغتيال الرئيس الحريري. ووجدت المصادر الديبلوماسية أن تعمّد الخارجية الروسية تأكيد أهمية المحكمة، مؤشّر على التوجّهات الدولية، وليس موقف واشنطن فقط التي تتّهمها قوى 8 آذار بالوقوف مع إسرائيل وراء هذه المحكمة. وانطلاقا من هذا المناخ، اعتبرت أنه على الحكومة مواجهة التحدّيات الدولية من خلال التعاطي والالتزام بقرارات المؤسسات القضائية الدولية، وليس عبر مقاطعتها وشنّ الحملات عليها وإعلان لبنان دولة غير متعاونة مع المجتمع الدولي. عِلما أن هذا الملف الذي خرج من المؤسسات القضائية المحلية بات في عهدة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان التي ستقرّر كيفية الوصول إلى تحقيق العدالة، والتي ستتحوّل إلى مسؤولية دولية لا يملك لبنان دورا رئيسيا فيها.