يؤشر ارتباك رئيس الحكومة نجيب ميقاتي تجاه التعاون مع المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، الذي التزم به لبنان، الى توازنات واضحة الاختلال لمصلحة "حزب الله" وحلفائه على حساب من يصنّفون انفسهم واهمين بأنهم "وسطيون". ويظهر دليل الارتباك جليا في تباين مواقفه بهذا الشان: موقف رسمي ملتبس مفتوح على وقف التعاون ورد في البيان الوزاري، وموقف سياسي واضح الالتزام اطلقه في الاعلام.
ورغم ان "حزب الله" كان يفضل عدم ذكر المحكمة اطلاقا في البيان الوزاري قدم نصف تنازل بموافقته على ورودها في نص رمادي مفتوح على التنصل من التزاماتها، وذلك لحاجته الماسة الى قيامها حماية لامن المقاومة المستند الى ثلاثة ركائز: الحفاظ على السلاح، التنصل من المحكمة، ودعم النظام السوري المهتز لفشله بعد نحو اربعة اشهر في وقف الاحتجاجات على ارضه رغم حملات القمع الدموي.
فقد أوحت تصريحات سابقة للرئيس ميقاتي ومقربين منه، ان الحل سيكون بابقاء بند المحكمة والبند المتعلق ضمنا بسلاح "حزب الله" كما كانا عليه في بيانات الحكومات التي توالت منذ اغتيال الحريري عام 2005 . فعلياً بقي بند السلاح على حاله في ثلاثية "الشعب والجيش والمقاومة" فيما جرى تعديل بند المحكمة. ونص التعديل على ان الحكومة "ستتابع مسار المحكمة الخاصة بلبنان التي انشئت مبدئياً لاحقاق الحق بعيدا عن اي تسييس او انتقام وبما لا ينعكس سلبا على استقرار لبنان"، في حين شددت البيانات السابقة على التزام التعاون.
بالمقابل، لم ينفِ الرئيس ميقاتي موقفاً مناقضاً للبيان الوزاري من حيث التزام التعاون مع المحكمة بكل مندرجاتها والذي صدر مساء الاحد عقب تهديد "قوى 14 آذار" بالعمل على اسقاط الحكومة في غياب هذا الالتزام.
فقد نقل نقيب الصحافة محمد البعلبكي عنه قوله "لبنان لا يستطيع ان يوقف عمل المحكمة ووجودها والتزاماته حيالها. فالبروتوكول الموقع بين المحكمة ولبنان عبر السلطات اللبنانية يأخذ مجراه عبر القضاء من دون اي لغط او التباس، وسنبقى مستمرين في كل الالتزامات الى حين حصول اجماع لبناني على اي امر آخر ويسري هذا الامر على البروتوكول مع المحكمة وعلى عمل القضاة اللبنانيين فيها". كما نقل عنه ان تمويل حصة لبنان "سيدرج ضمن الموازنة العامة في حينه".
لكن بعض الوزراء "الوسطيين" اكتفوا في جلسة اقرار البيان الوزاري بالتحفظ بعد ان عجزوا عن تغيير كلمة واحدة (مبدئياً) في بند المحكمة الذي انجز خارج لجنة الصياغة في مفاوضات بين الرئيس ميقاتي و"حزب الله" كما كشف رئيس "تكتل الاصلاح والتغيير" النائب ميشال عون.
وتدل كل المعطيات على ان الحكومة لن تحترم قرارات المحكمة لان "حزب الله" وحلفاءه يتمتعون بأكثرية واضحة، ولان الحزب لم يكتف بالتبرؤ من المحكمة بل هدد من يراهن عليها.
ويشكل امتناع الحزب عن عرقلة اخذ مذكرات توقيف المتهمين الاربعة من كوادره مسارها القضائي، والتي من المؤكد انها لن تثمر تبليغاً او توقيفاً، مجرد فترة سماح للحكومة. فالعجز الذي تجلى في التوصل الى صيغة تعاون مقبولة يؤشر الى ما سيكون عليه الحال عندما تطلب المحكمة تسهيل الاجراءات الادارية والامنية والقضائية مثلا او تطلب شهودا مع بدء المحاكمات الغيابية او عندما يحين موعد تجديد تمويلها.
وقد سلّط "حزب الله"، عبر حلفائه، الضوء على مكامن عجز رئاسة الحكومة فور انطلاق مداخلات جلسات الثقة في البرلمان. اذ طالب نائب كتلة "الحزب السوري القومي الاجتماعي" مروان فارس بسحب القضاة اللبنانيين ووقف التمويل فيما دعا عضو كتلة "وحدة الجبل" فادي الاعور الى اعادة القضية الى القضاء اللبناني.
بالمقابل صوّبت كلمات نواب المعارضة مباشرة على الرئيس ميقاتي باعتباره ارتضى ان تكون حكومته مجرد يافطة يتلطى خلفها "حزب الله". واندرجت مداخلاتهم تحت سقف بيان "قوى 14 آذار" الاخير مطالبة بضرورة حصر السلاح بيد الشرعية والتعاون مع المحكمة والا فستسعى الى اسقاط الحكومة بكل الوسائل الشرعية وتطلب عدم التعاون معها محليا وخارجيا.
فرغم ادراك المعارضة لعجزها عن اسقاط الحكومة بالضربة القاضية، عبر حرمانها من الثقة، فانها تتوسل التوصل الى هذا الهدف تدريجا عبر عوامل داخلية واخرى خارجية، فيما اعلن "حزب الله" بلسان رئيس كتلته النيابية النائب محمد رعد انها باقية حتى الانتخابات النيابية المقبلة عام 2013 .
فمن العوامل الداخلية ان الحكومة تحمل في طياتها بذور خلافات تجعلها محاصرة من الداخل بسلاح "حزب الله" واوهام النائب عون وغوغائيته، ومكبلة من الخارج بالرقابة على تعاونها.
واضافة الى ارتباط مصيرها بالملف الاقليمي الذي تتسارع تطوراته وسط غموض في الافق، ينتظر المجتمع الدولي خطواتها المقبلة ليحدد موقفه منها، وهي التي ولدت عندما تطلبت ذلك مصلحة سوريا ومصلحة "حزب الله" مع صدور اول القرارات الاتهامية.