كتب يوسف يزبك في صحيفة "الجمهورية": أزعجهم صوتها، فأرسلوا إليها التهديدات، لم تبالِ واستمرّت، زادت التهديدات، فلم تستسلم واستمرّت، قال أحدهم لمقرّب منها "بدّي إشرب من دمها"، لم تأبه لِما قد تكون اعتبرته مجرّد تهويل من مجرم، واستمرت وبشراسة أقوى دفاعاً عن ثورة الأرز ورموزها وشهدائها إلى أن أتى ذاك الأحد الأسود. خرجت من منزلها كالمعتاد قاصدة ذلك الاستديو العزيز على قلبها، حيث تحيّي مشاهديها قائلة: "نهاركن سعيد"، مستهلّة حلقة سياسيّة بامتياز لساعتين حافلتين بالمواقف السياسية الحامية.
انتهت حلقة الأحد 25 أيلول 2005 (كان ضيفها المحلّل السياسي سركيس نعوم) و"على أمل اللقاء في اليوم التالي" ختمتها. يوم أتى، ولكن من دونها هي التي انتقلت إلى عالم "الشهداء الأحياء"، عالم ينتظر حكم العدالة الدولية قبل الإلهية، ليرسم حضارته التي ستحكي يوما عن سيّدة إعلاميّة لبنانية غلبت آلة القتل "اللاصهيونيّة هذه المرّة"، وناضلت بنصف جسد سبيلاً لإحقاق العدالة. لم تطالب الدكتورة مي شدياق بتعويض مالي أو بتسمية شارع باسمها أو بتكريمها على مستوى الدولة اللبنانية. جلّ ما قالته منذ ال 2005 "نريد الحقيقة وأريد معرفة من حاول قتلي وقتل أصدقائي، وبالتالي أريد العدالة".
طلب مي هذا، ورهانها المستمرّ على المحكمة الدوليّة شكّلا حافزا أساسا لمن دعمها ويدعمها منذ ذاك اليوم المشؤوم، إلّا أنّ ذاك الرهان النابع من تعاطف مئات الألوف في لبنان والمهجر، حيث قلّدت أوسمة وحصدت جوائز عالميّة في الصحافة وحرّية التعبير، وأقيمت لها حفلات التكريم، كان مادّة إضافية لدى مبغضيها الذين ربّما حزن بعضهم لفترة وجيزة في 25 أيلول، ولكنهم استكتروا عليها البقاء على قيد الحياة لأنّ عقلها ولسانها بقيا صوتا صارخا للحقّ … وهنا أيضا لم تأبه سيّدة الإعلام واستمرّت، وعوض الأحد الأسود أتاها "خميس أبيض".. خميس أخبر في ساعات ما قبل ظهره أنّ السيّدة كسبت الرهان وأنّ الحقيقة بدأت بالظهور.
ألقرار الاتّهامي صدر معبّدا طريق لاهاي، حيث سيحاكم كلّ اسم سيرد في ملحقه الذي سيصدر في أيلول المقبل ويتضمّن قضيّة مي شدياق على حدّ تأكيد مرجع سياسي رفيع كشف أنّ الأسماء التي وردت في القرار الاتّهامي قبل أيّام "تشكّل شبكة بدأت عملها مع محاولة اغتيال مروان حماده وانتهت في محاولة اغتيال الياس المر، باستثناء عمليّة اغتيال سمير قصير، حيث اقتصر دورها على المراقبة".
أريد "رأس الهرم"
ببسمتها المعتادة، إلى جانب كرسي مدولب صادقته منذ أيلولها الأسود، وصور للسيّدة العذراء والربّ يسوع وشفيعها القديس شربل، تتابع مي شدياق عملها اليومي في مؤسّستها الإعلاميّة من دون أن يمرّ يوم واحد لا تحلم به بالعدالة. "لن أكتفي بالحلقة التي خطّطت محاول الاغتيال"، تقول مي وعلامات الثقة تغلّف وجهها الغاضب، "فأنا أصرّ أن يصل إصبع الاتّهام إلى الحلقة الأكبر التي أمرت، مرورا بالتي خطّطت وراقبت وتنصّتت، وصولا إلى المنفّذين، وهم فئة رخيصة تشرى وتباع".
تروي مي أنّ البعض لم يتحمّل صوتها في تلك الفترة، "حينها كانوا يتبجّحون بأنّ المسيحيين لا يشكّلون أكثر من 17 في المئة من المجتمع اللبناني، وبدأوا الحديث عن اتّفاق عقد تحت الطاولة مع الرئيس رفيق الحريري لاقتسام لبنان بين المسلمين سنّة وشيعة، وكأنّ المسيحيين تبخّروا، قلت يومها: "لماذا الكذب على لسان الأموات"؟ من يومها أخذت التهديدات تتصاعد ولكن إلقاء الضوء على الحقائق بقي هاجسها: "أخذوا نصفي فليأخذوا النصف الآخر وسأظلّ أقول الحقيقة قد ما كانت صعبة".
المسلسل منذ العام 1982
المحكمة لا تحاكم أحزابا أو جماعات بل أفرادا، إلّا أنّ الأشخاص الذين صدرت في حقّهم مذكّرات التوقيف ينتمون لنفس الحزب، "فهل تصرّفوا بقرار ذاتي منهم؟
تسأل مي بغضب قبل أن تضيف: "ليتواضعوا وليتعاطوا مع المحكمة الدوليّة الخاصة بلبنان، والذي يثق ببراءته ستؤكّد المحكمة براءته وسنقول عنه بريئا؛ تدمع عيناها، يخفت صوتها بعض الشيء، لتهمس بحزن "أجزم أنّ دماء جبران تويني الذي قال لهم يوم استهدفوني ماذا تريدون من الوردة والفراشة؟ تعالوا إلينا تعرفون أماكننا… هذه الدماء لن تذهب هدرا".
لا تخافُ مي شدياق من تسوية سياسية ما تطال المحكمة، لأنّ الله موجود وهي تؤمن بعدالته لأنّه "سيكشف الحقيقة تماما كما أنقذني من عبوة وضعت تحت مقعدي".
وتردف متماسكة وإن سيطر الحزن عليها: "قتلونا ومنعونا نقول آخ إلّا أنّ الله أكبر منهم جميعا، فهو لا يرشق بحجارة، ومن كان يهدّدنا ويعذّبنا، الله يعطيه دروسا جمّة اليوم، وهو يرى كيف تحرق صوره في بلاده. "ومن يتكلّم عن مرور 300 سنة من دون توقيف المطلوبين المتّهمين فاته أنّ المحكمة ستحاكمهم غيابيّا لتصل إلى طرف خيط يقود في نهاية المطاف إلى حلقات كثيرة.
"كلنا سوا بأحلى بلد"
وتسأل مي من باب تأكيد شكوكها حول تصرّف من لا يريد الانخراط في بناء الدولة، بل يريد وضع اليد على البلد بكامله بنظامه وأهله عبر تغيير هويّته وديموغرافيّته وتحالفاته.
"هل شراء أراضي المسيحيين في منطقة جبيل أمر بريء؟ هل شراء أراضي المسيحيين في المناطق المسيحيّة بغية "خردقتها" أمر بريء؟ ليتواضعوا وينخرطوا في الدولة كي نعيش جميعا في "أحلى بلد"، لكنّني لن أقبل العيش تحت رحمة من يهدّدني ليل نهار… من حقّها كما من حقّ اللبنانيّين أن "أعيش مرفوعة الرأس من دون سلاح ظاهر أو مخفيّ تحت القمصان السود"…
من حق مي شدياق أن تشهد على محاكمة من حاول قتلها يوما، لأنّ صوتها أزعجه… ومن حقّها أيضا أن تهلّل لخبر ذاك الخميس تماما كما كان من حقّ من حاول قتلها أن يحزن في مساء ذاك الأحد لأنّها بقيت حيّة.
البعض أصرّ ويصرّ على اعتبار الجريمة بحقّها عرضيّة، وانتهى البعض الآخر ليقول من شدّة انزعاجه من الرمز الذي أصبحت تمثّله "كانت بتستحق". جريمة سياسية هي الأولى في لبنان بحقّ امرأة كلّ ذنبها أنّها كانت منارة للحق والحقيقة. جريمة واستهداف جسدي وفعل شيطاني لم ينل استنكارا كافيا من قِبل كثيرين، ربّما لأنّه حصل في جونيه قلب كسروان، ولا يشبه حادثة أخرى مفتعلة غير بريئة النوايا حصلت في عيادة طبّية نسائيّة فى أحد شوارع "الأوزاعي" وأخذت كلّ تلك الطنّة والرّنة.