#adsense

.مقارنة..

حجم الخط

لم تُفصح جلسات الثقة بالحكومة الانقلابية، إلا عن واقع حال اللبنانيين وحال اصطفافاتهم الراهنة. لكنها بالمعنى الآخر، الأدق، كشفت على الهواء مباشرة، الفحوى الحقيقية للانقسام و"نوعية" المنقسمين في الاخلاق والثقافة قبل السياسة.

ليس جديداً، ان الخلل الموجود في المعادلة القائمة متعدد الطبقات. أول طبقة فيه، ان هناك طرفاً مسلحاً بالحديد والبارود، فيما الطرف الآخر مسلّح بالصوت والحراك المدني والسلمي، وبالنصّ الدستوري ومشروع الدولة. وان طرفاً يكمش في يده رسن الشارع يفلته ساعة يشاء وكيفما يشاء، فيما الطرف الآخر يقبض بيديه على جمر رد الفعل، ويخاف أن يفلته فيعم الحريق ويأخذ كل شيء في طريقه وليس اليدين فقط.

طرف يفترض انه يُقرّر، وطرف قرر رفض الاذعان والانصياع. طرف قرر أن يُجرّب، وطرف قرّر أن التجارب السابقة كافية ولا حاجة الى تكرار. طرف قرّر انه ومشروعه وسلاحه أولاً ولبنان ثانياً، وطرف آخر قرّر انه ومشروعه وبيانه ثانياً وثالثاً وان لبنان أولاً. طرف قرّر دعس الميثاق الوطني بالأقدام وتركيب أعراف قسرية أحادية انحيازية لخدمته، فيما الطرف الآخر لا يجد في يمينه إلا الدستور، وفي يساره إلا ذلك الميثاق، وفي عقله الواعي ان القسر والأحادية جزء من وصفة تامة لا تؤدي إلا الى الخراب والاندثار.

طرف قرّر ان كل شيء مباح (!) في سبيل بيانه ومشروعه ومصلحته، وطرف قرّر ان لا شيء يبرر العودة للاقامة في كتاب التاريخ الخاص بالفتنة وطنياً ومذهبياً! طرف قرّر ان "اللحظة" الراهنة دائمة وتبرّر اشعال الدنيا لقهر "الاغيار"، وطرف قرّر سلفاً ان "اللحظة" الراهنة عابرة وان أي شيء لا يبرّر أي حريق وان الآخر المختلف هو صنو الذات في دولة التسوية المأمولة ووطن التعدد السياسي والطائفي والمذهبي!

طرف قرّر ان البحث عن العدالة يوازي الخيانة، وطرف قرر ان العدالة كفيلة بكشف من خان أمانة السلم الوطني وحرمة الدم واجتماع اللبنانيين على الخروج من المقابر الى المنابر، ومن الإلغاء الى الالتقاء، ومن السلاح الى الكلمة، ومن الدم الى الحبر، ومن الأمس الى الغد!

طرفان ترافعا أمام الناس. وقدما بيانهما المكشوف، فازداد اليقين بأن المعضلة الأولى كانت ولا تزال ان قوى الممانعة والمناتعة تعوّض بسلاحها فقدان منطقها وحجتها، وبانفعالها ضمور بيانها، وبشتائمها غياب أدب الخطاب وأخلاقيات العمل العام، وانها في نهاية المطاف هي المُعين الأول لـ"الاغيار" عليها، وهي المانح الأول لكل أسباب قوة أخصامها في مواجهتها.

مصادر قوة 8 آذار هي ذاتها أسباب ضعفها.. فيما قوة 14 آذار متأتية أساساً من كونها "ضعيفة" أمام السلم الأهلي، وأمان لبنان واللبنانيين واحترامها للعقول وليس للغرائز!
لكنه ضعف يشبه ذلك الكلام الجميل الذي قالته السيدة الجليلة بالأمس "خرفان السيد المسيح هزمت كل الذئاب"!

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل