
مرَّ خبر الإعلان عن كشف شعبة المعلومات في قوى الأمن الداخلي، نهاية الشهر المنصرم، لـ17 شبكة تجسس إسرائيلية، “بلا ضجيج” إذا صح التعبير وعكْسَ ما يُفترض، في الأوساط السياسية والشعبية عموماً. فهذا الاختراق الإسرائيلي من مستوى خطر جداً، خصوصاً في ظل حالة انعدام الوزن التي يعيشها لبنان جراء الأزمة الاقتصادية والمعيشية. وما برز، محاولات “الماتراكاج” التي واظبت عليها وسائل إعلامية وصحفية تدور في فلك حزب الله، لتسليط الأضواء على هذه المسألة مع جرعات متتالية من التركيز وأكثر من “رشة ملح زيادة”.
والملاحظ لدى أي مراقب، أن بروباغندا الحزب لم تحقق أهدافها في أوساط الرأي العام، وفشلت كما يبدو في استثارة الاهتمام والمخاوف لدى المواطنين، وفي ذلك مؤشرات قد لا تطمئن حزب الله كثيراً. ولعلَّ من بين الأسباب الأساسية، أن هموم الناس وأولوياتها في مكان آخر، بلقمة العيش وحبة الدواء وحليب الأطفال وأموالها المنهوبة والمحجوزة في المصارف، وغيرها من كوارث الأزمة الاقتصادية والمعيشية.
وما يقلق حزب الله، أن اللبنانيين بغالبيتهم الساحقة، ما عدا محازبيه وأنصاره اللصيقين، لم يعد يكفيهم التركيز على المخاطر الإسرائيلية للتعمية عن واقع الأزمات التي يرزحون تحتها وضمان سكوتهم عنها، كلما عانى الحزب من مأزق أو كان محشوراً في وضعيته، إذ باتوا يحمّلونه المسؤولية الرئيسية عن حالة البؤس العميم التي يعيشونها بهيمنته على البلد، بالتكافل والتضامن مع حلفائه وفي مقدمتهم التيار الوطني الحر، من خلال عملية توزيع للأدوار وتقاسم القرار والسلطة والنفوذ والإدارة في ما بينهم، ما أدى إلى عزل لبنان عربياً ودولياً وحالة الانهيار الحاصل.
وما يضاعف الريبة لدى اللبنانيين، هو مسارعة حزب الله إلى استباق الإعلان الرسمي عن الشبكات الإسرائيلية المكتشفة، والالتفاف على دور الدولة والأجهزة إلى حدِّ مصادرته، وإظهارها بمظهر الملتحق بالحزب. كل ذلك يكثر من الأسئلة حول الأهداف التي يتوخّاها حزب الله. فلماذا استبق الأجهزة؟ ولماذا اختار هذا التوقيت بالذات لتسريب معلومات هي قيد التحقيق لدى الأجهزة القضائية والأمنية المختصة؟ في حين من المعلوم أن الأجهزة عملاً بأحكام القانون لا يمكن أن تدخل في تفاصيل قضية لا تزال قيد المتابعة، حرصاً على تجميع أكبر قدر ممكن من المعلومات والاستقصاء؟
حول هذه الأسئلة وغيرها، لا تنفي مصادر معنية، في تصريحات لموقع القوات اللبنانية الإلكتروني، أنها “مشروعة، ولا يمكن إغفالها”، من دون أن تستغرب “محاولة حزب الله مرة من جديد، سرقة الإنجاز الذي حققته شعبة المعلومات بكشف الشبكات الإسرائيلية الأخيرة، أسوة بما درج عليه من تبهيتٍ وتسخيفٍ لدور مختلف القوى والأجهزة الأمنية وإظهارها دائماً ضعيفة وغير قادرة على حماية لبنان، لتبرير بقاء سلاحه ووضعيته”.
وترى المصادر ذاتها، أن “دخول الحزب على خط عمل الأجهزة في مسألة بهذه الأهمية، يعتبر تدخلاً تحوطه في أقل تقدير علامات استفهام كثيرة، إن لم نقل إنه يخفي محاولة مكشوفة لاستغلال العامل الإسرائيلي وتوظيفه لمصلحة وضعيته الحالية غير الطبيعية، كحزب مسلح يلعب أدواراً عسكرية وأمنية من خارج الدولة، في الداخل وبما يتجاوز الحدود اللبنانية”.
وتلفت، إلى أن “المؤسف، هو استمرار مراجع مسؤولة كبرى بتغطية حزب الله وسلاحه لأهداف سلطوية وانتفاعية، وهي لا تتردد من دون خجل في الإعلان عن أن الجيش والقوى الأمنية عاجزة عن حماية لبنان. في حين أن أولى واجباتها الوطنية المحافظة على هيبة الدولة وقواها العسكرية والأمنية، وتأمين كل ما يلزم لدعمها وحفظ هيبتها، وتأكيد امتلاكها وحدها أحقية وحصرية استعمال القوة بموجب الدستور والقوانين”.
وتشير، إلى أن “محاولة حزب الله تقويض الإنجاز الأمني الأخير ونسب الفضل في تحقيقه لنفسه، يتزامن مع عودة التركيز المحلي والعربي والدولي على الأدوار التي يلعبها والتي لم تعد مقبولة على المستويين العربي والدولي. فليس تفصيلاً عودة التأكيد على أنه حان الوقت لتطبيق القرار 1559 ونزع سلاح كل الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية، كما نصت وثيقة الوفاق الوطني وبموجب الدستور اللبناني. ومحاولة حزب الله التدخل في توقيت كشف الشبكات الإسرائيلية، يصب في السياق ذاته لمحاولة إعادة التسويق لضرورة بقاء سلاحه وإظهار القوى الأمنية ضعيفة”.
وتذكّر المصادر عينها، بـ”محاولات الحزب السابقة في هذا الإطار، كمحاولة سرقة الإنجاز الذي حققه الجيش اللبناني بدحره داعش من جرود عرسال والقاع، وادعاؤه أنه صاحب الفضل الأول بالتحرير. وكيف ضغط لترحيل قيادات هذا التنظيم وعناصره بالباصات المكيفة، حين حاصر الجيش فلولهم المتبقية بعد معارك ضارية وكان على وشك إبادتهم. وكيف منع لاحقاً إقامة احتفال مركزي في ساحة الشهداء وسط بيروت لتكريم الجيش وشهدائه. لتكشف الأيام بعدها مدى العلاقات الحميمة والتنسيق بين إيران وداعش”.
وتضيف، “الجميع يعرف التضحيات التي بذلها الجيش للقضاء على تنظيم شاكر العبسي، الذي أطلق من سجون بشار الأسد وأرسل إلى لبنان لتأسيس تنظيم فتح الإسلام وتخريب الاستقرار وممارسة الإرهاب. ولم ينسَ اللبنانيون بعد كيف وضع الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله خطاً أحمر على مخيم نهر البارد يومها، رافعاً إصبعه بوجه الجيش، ومحاولاً ثنيه عن القضاء على الإرهابيين”.
وتعتبر المصادر، أنه “من المفيد أيضاً التذكير بأن الغالبية الساحقة من عملاء إسرائيل الذين كشفتهم مختلف القوى الأمنية في المراحل السابقة، كانوا من قواعد حزب الله، وبعضهم في مواقع قيادية. وبروباغندا الحزب وعمليات الضخ والتسريب التي يقوم بها محاولاً الإيحاء بأن الأجهزة لم تكن تريد الكشف عن الشبكات الأخيرة، باتت مكشوفة وتثير سخرية معظم اللبنانيين لشدة هزالتها، لكونها لا تشذ عن المحاولات المعهودة لتبرير الاحتفاظ بسلاحه ودوره الأمني والعسكري غير الشرعي المقوِّض للدولة، كما استغلالها عشية الانتخابات”.
وتشدد المصادر نفسها، على أنه “حتى بمنطق الحزب المعتور، حول أن الأجهزة الأمنية لم تكن تريد الكشف، الآن، عن الشبكات الإسرائيلية لولا التسريب الذي قام به في الإعلام، هو يدين نفسه ويثير الشكوك حول خلفياته. فماذا لو أن الأجهزة كانت تريد استثمار المعلومات التي جمعتها في الكشف عن شبكات جديدة، لماذا تدخل الحزب وأجهض محاولاتها؟ ممَّ يخاف؟ هل يخشى مثلاً أن يُكشف عملاء جدداً في صفوفه وينكشف أمام اللبنانيين أكثر، ما يسقط صورته وحجج المقاومة الواهية التي يدعيها؟”.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
