#adsense

دولة لبنان الكبير

حجم الخط

كتب الأب مارون عوده في “المسيرة” – العدد 1725

تشير الأزمات المتلاحقة عبر السنين أنّه محرّم على الشعب اللبناني أن يحلم بدولة لبنان الكبير، أو أن يعيش في وطنٍ يشبه تطلّعاته المستقبليّة، ليتوالد فيه ويؤسس عائلته ويبني مستقبل أولاده؛ فوطنه واقعٌ في منطقةٍ تجهل تداول السلطة ديمقراطيًّا، إذ تمارسها عبر الوراثة حتى أجيال الفروع اللامتناهيّة، ولا تجد ثقافة الديمقراطيّة سبيلًا إلى عقلها ومفاهيمها. كما أنّ السلّطة الحاكمة فيه لا تؤمن بأن الحريّة عطيّة إلهيّة لكلّ إنسان ذكرًا كان أو أنثى، بل تريده قوةً عاملةً، يعمل بساعده من دون عقله، ويُساق خلفها كالقطيع متى قرّرت إقتياده إلى الذبح عندما تحتاج إلى ذبيحة مرضيّة. أضف إلى ذلك أنّه محكوم عليه في أن يفكر ويحكّم ضميره يوم الإنتخاب على وقع قوّة التكليف الشّرعيّ القاهرة، من دون أن يرفّ له جفنٌ. بيدَ أنّ دولة لبنان الكبير ستبقى وطنًا خالدًا في عقل شبابه وضميره إلى أن يشاء الله ما لا يشتهي حكّامه.

إن إتفاق الطائف الهجين قد فشل في تأسيس دولةٍ عصريّةٍ تتماشى مع تطلعات الشعب اللبناني، كون خدّام نظام الوصاية آنذاك لم يتدرجوا في عيش الحريّة وكيفيّة التعامل مع أهلها، فنفّذوا من الإتفاق ما يتماشى مع ثقافتهم ومبادئهم ويفرض قبضتهم الإستخباراتيّة الحديديّة في الحكم، وتغافلوا عمّا يفيد الشعب. بيدَ أنّ»وثيقة الأخوّة الإنسانيّة» التي وُضعت مؤخّرًا بين أيدينا، ووقّعت في دولة الإمارات المتّحدة العربيّة بين البابا فرنسيس وشيخ الأزهر أحمد الطيب في 4/2/2019، هي وثيقة عصريّة تعترف بوحدانيّة الله الخالق أولًا، وتحترم حقوق الإنسان وواجباته في سبيل بناء وطنه الخاص أولًا وموطنه العربي ثانيًا. من هنا مع تعثّر صيغة العيش المشترك في لبنان في ظل الإنقسام الحاد بين الفئات السياسيّة وربط مصالح أهل السياسة بسياسة المحاور الخارجيّة، من الأفضل إعادة تفعيل إتفاق الطائف على الرغم من عوراته، وذلك بعد ترميمه وتحصينه إستنادًا إلى وثيقة الأخوّة الإنسانيّة.

بما أنّ الوثيقة تعترف بوحدانيّة الله خالق البشريّة جمعاء، قبل بدء الوحي الإلهيّ الكتابيّ والتجسّد الإلهيّ والإنزال القرآنيّ، ولمّا كان البطريك الياس الحويك قد طالب بكيانٍ مدنيٍّ لدولة لبنان الكبير وعلمًا بأنّه رئيس الكيان البطريركيّ الكنسيّ، يصبح إلزامًا فصل الدين عن الدولة، فتُلغى الأحزاب الدينيّة والطائفيّة، ويتساوى المواطنون تحت القوانين اللبنانيّة، وخصوصًا تحت قوانين الأحوال الشخصيّة؛ كون الله خالق الجميع، فكما يتساوون جميعًا أمام الله يجب أن يتساوى الجميع أمام القانون اللبنانيّ أيضًا. وبما أنّ إتفاق الطائف ثبّت مبدأ المناصفة المسيحيّة الإسلاميّة في التمثيل النيابيّ والرئاسات والوزارات، فهذه ليست عذرًا كي تهيمن طائفة على طائفة أخرى، بل تكون المناصفة بين الديانتين المسيحيّة والإسلاميّة. أمّا الطوائف فتأخذ حقوقها التمثيليّة إستنادًا إلى حجمها داخل ديانتها. ثمّ يجب سنّ قوانين تحمي الحريّة الدينيّة على ما جاء في الوثيقة: «إعتقادًا وفكرًا وتعبيرًا وممارسةً»، لأنّ الإنسان خُلق حرًّا ليعبُد الله بحسب قلبه وضميره، بحسب ما توارثه من ممارسات أجداده وآبائه الإيمانيّة والطقسيّة.

حتى تستقيم الدولة المرجوّة في إتفاق الطائف الذي أقرّ نظام اللامركزيّة الإداريّة الموسّعة، بالتوازي مع الوثيقة التي تتكلّم عن أولويّة المواطن وحقّه في الحريّة والعدالة والرحمة، يجب أيضًا العودة إلى المواطن كي يختار هو السلطتين المركزيّة واللامركزيّة. حتى يستطيع أن يعبّر بحريّة عادلة عن اختياره، يجب أن يكون قانون إنتخاب السلطة المركزيّة على أساس الدائرة الفرديّة، «لكلّ ناخب صوت واحد»؛ فينتخب الناخب نائبًا واحدًا فقط من جهة أولى، وله السلطة والقدرة على محاسبته في الدورة الإنتخابيّة التاليّة من جهة ثانية. ومن ثمّ يجب أن ينتخب المواطن السلطة اللامركزيّة أيضًا بكافة مستوياتها: المدنيّة والقضائيّة، بالتالي تكون السلّطة بشقّيها المركزيّة واللامركزيّة منبثقة من حريّة المواطن وحكم ضميره، فتكون عادلة بحكمها وقراراتها تجاه جميع مواطنيها. ثمّ إن هذا النظام يحتاج إلى أحزاب سياسيّة وطنيّة صاحبة برنامج حكم يتماشى مع تطلّعات شعبها، وتمتلك الرؤية الواضحة في إدارة الدولة وشؤون المواطنين. ويجب أن يكون هناك تربية وتنشئة حزبيّة من خلال برامج تثقيفيّة للعمل الحزبيّ وطرق إدارة المرافق العامة. بالمقابل يجب حظر الأحزاب الدينيّة التي تتصرّف بأحكام إلهيّة، والتي تصدّر أحكامًا عرفيّةً يمينًا ويسارًا، ويجب أيضًا منع تلك الأحزاب ذات الإرتباط الخارجيّ والتي لا تعترف بلبنان وطنًا نهائيًّا لجميع أبنائه.

على الرغم من كثرة الأزمات وتراكم التحاليل والنظريات، وعلى الرغم أيضًا من تشاؤم الكثيرين حول فشل الصيغة اللبنانيّة، يبقى لبنان وطنًا خارجًا عن قنوطهم وفشلهم: يستمد قوّته من إرادة شبابه بالتغيير دائمًا نحو الأفضل، وبالمحاولات المتكررة لتدمير الحواجز الطائفيّة والجدران التي بناها أهل الطائفيّة سياسيًّا وإعلاميًّا. فالشباب اللبنانيّ يريد دولةً في وطنهم يعيشون تحت كنفها مع أترابهم كلّ واحدٍ بحسب دينه ومشربه. فحين أُعلنت دولة لبنان الكبير كانت الطوائف من ضمنها، وقد وزّعت المناصب على الطوائف جميعًا بالتساوي حتى لا يكون هناك طائفة مهيمنة على أخرى، وهذا ما يريده الشباب اللبنانيّ اليوم؛ فالطائفيّة الموجودة على ورق الدستور والقوانين أقلّ خطرًا من تلك الراسخة في نفوس الطائفيّين وعقولهم، لذا يجب تحرير تلك النفوس والعقول من الطائفيّة ليستقيم النظام اللبنانيّ الطائفيّ.

في النهاية لا أوافق بالرأي مع كلّ من يبكي وينوح على لبنان ونظامه، فلبنان وطن ينتسب إلى تاريخ الله مع البشريّة ضمن الكتاب المقدّس، وجذوره ضاربة في عمق الأرض حيث تضرب جذور الأرز الخالد. أمّا نظامه فلن يستمر إلّا بحسب إرادة شبابه وتطلعاتهم المستقبليّة، نظام عصري تعيش فيه كلّ طائفة حريّتها الإيمانيّة في دولة لبنان الكبير.

المقال يعبّر عن رأي الكاتب

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل