كتب رضوان عقيل في صحيفة "النهار": كان رئيس مجلس النواب نبيه بري الرجل الثاني في الجمهورية اللبنانية الذي سمع عبارة "مبروك" بولادة الحكومة بعد رئيسها نجيب ميقاتي، إذ نجح الاول في تجاوز حقول الغام وقطوع جلسة نيل الثقة التي ادارها على "خطوط الاستواء" المذهبية والحزبية.
وفي اللحظة التي نالت فيها الحكومة الثقة باصوات 68 نائبا وترك بري مقعده، توجه الى صفوف النواب ليقدم التهاني الى ميقاتي في تصرف كسر فيه قواعد البروتوكول. وعند الانتهاء من عاصفة التبركات من الاكثرية الجديدة توجه ميقاتي الى مكتب بري برفقة المدير العام علي محمد لـ"يطبع" في اذنيه عبارة: "شكراً مارست دور الحكم العادل".
وتحادثا ثانية مساء اول من أمس وعرضا سريعاً في اتصال مسار ما رافق هذه الجلسة الماراتونية بين فريقي الموالاة والمعارضة وما تخللها من سخونة وارتفاع في حدة بعض الكلمات من الطرفين. وكانت مطرقة بري وتدخلاته السريعة كفيلة بإيصال هذه المباراة الى دقيقتها الاخيرة التي تابعها اللبنانيون مباشرة وهم يشاهدون ممثليهم في ساحة النجمة ويدققون في مداخلاتهم التي خرج بعضها عن أبسط قواعد الخطابة والحديث مع الآخرين.
ويروي نائب ان عشرات من زملائه دبجوا مئات الصفحات وآلاف السطور حيال البيان الوزاري والتعليق عليه وكيف ان النائب البعثي عاصم قانصوه احتل صدر الشاشات والصفحات الاولى في الجرائد بعد توجيهه كلمة "كلب" الى زميله خالد الضاهر والتي كادت ان تطيح الجلسة وتنقل شظاياها الى شارع مستنفر في الاصل. ويقسم بري انه لم يسمع عبارة قانصوه لانه كان يتحدث مع أحد الزملاء والضاهر مستمر في اطلاق سهامه النارية على النظام السوري.
وكان بري يعرف سلفاً ان هذا النوع من المشادات والردود الملتهبة يشعل حرارة الجلسة ويزيدها توتراً وسط مناخات غير سليمة بين الطرفين.
وقبل ان يدخل الى القاعة قبل ظهر الثلثاء الفائت اجرى اتصالات مع كتلة "الوفاء للمقاومة" وشدد على اعضائها ضرورة تجنب الوقوع في افخاح عدد من نواب المعارضة الذين يوصفون بـ"الصقور" وان النائب علي عمار الذي ردّد عبارة "اننى موصى" اكثر من مرة في كلمته كانت بطلب من بري وقيادة "حزب الله". ودعاهم بري ايضا الى اخراج هذه الجلسة بافضل الطرق وان تكون ضمن قواعد الحوار واحترام الآخر.
الهجومية
وتبين ان الخطة التي رسمها نواب 14 آذار، فكك بري "شيفراتها" منذ اللحظة الاولى، ولذلك وضع اسم النائب مروان حماده في لائحة أول المتحدثين نظراً الى مضمون كلمته وما تحمله من رسائل علما ان بري يعتبره اللسان الاكثر فصاحة في فريق المعارضة، التي ركزت في كلماتها على موضوع سلاح "حزب الله" والمقاومة وابدت تصميمها على النيل من ميقاتي. ويقول بري وهو يعلق على تعاطي 14 آذار مع رئيس الحكومة "مرة اخرى اقول انهم لا يعرفون هذا الرجل".
وعلى رغم ما رافق جلسة نيل الثقة، فان بري يراها في معرض تقييمه إياها انها من أرقى الجلسات النيابية" وان النواب عالجوا مناوشاتهم على طريقتهم.
ويقرّ في المقابل بان بعض النواب تجاوزوا النظام الداخلي في كلماتهم من خلال الهجوم الحاد على بعض الاحزاب ويقصد "حزب الله" الممثل في البرلمان والحكومة فضلا عن النقد اللاذع لدولة صديقة مثل سوريا.. وانه عمل على ضبط الايقاع تحت قبة القاعة التي تمثل سائر اللبنانيين. وانه انزعج من تسمية نواب احياء في طرابلس وبلدات في اقليم الخروب بحجة انها ذات ثقل سني للنيل من ميقاتي والوزير علاء الدين ترو.
واتاحت هذه الجلسة على مدار الايام الثلاثة لرئيس المجلس اكتشاف قدرات النواب في القاء كلماتهم والردود على زملائهم والتي ارتفعت "حرارتها" بسبب النقل المباشر. وظهر بعض نواب المعارضة كأنهم يؤدون امتحانا امام رئيس كتلتهم. وثمة من لم يحالفه الحظ من خلال طرحهم افكاراً مكررة سبق ان رددوها مرات.
من جهة اخرى ابدى بري اعجابه بالنائب الكتائبي سامي الجميل و"طريقته الناجحة" في عرض مسلسل افكاره بغض النظر عن مضمونها وانه يعرف جيدا كيف يلتزم تعليمات رئاسة المجلس ومتى يرد على من يعرض عليه.
ومن النواب الشباب الذين لفتوا بري ايضا في "تكتل التغيير والاصلاح" سيمون ابي رميا والان عون وزياد أسود.
ويبقى ان بري لم يكن يعلم بانسحاب نواب المعارضة من القاعدة فور انتهاء ميقاتي من القاء مداخلته، لكن ثمة "اشارات" تلقاها في هذا الخصوص عندما خرجت النائبة بهية الحريري من القاعة. وهو يبدي اسفه لتصرف نواب المعارضة وعدم تمكنهم من ترداد "لا ثقة" في وجه حكومة ميقاتي حسب الاصول ويسجل في الوقت نفسه للنائب روبير غانم الذي بقي في القاعة وامتنع عن اعطاء الثقة "لأن هذا الرجل لا يحيد عن الكتاب".
يمضي بري وميقاتي اجازتهما مطمئنين خارج لبنان بعد ايصال الاكثرية الجديدة قطار التأليف بأمان وباقل الاضرار الى محطة السرايا الحكومية استعداداً لمواجهات مفتوحة لم تنته فصولها مع معارضة خسرت جولة ولم تخسر معركة.