#adsense

ميقاتي فلبنان، بَين نارَين

حجم الخط

على وقع المراسم الخاصة برؤساء الحكومات، دخل رئيس الحكومة نجيب ميقاتي الى السرايا على رأس تشكيلة حكومية كاملة المواصفات الدستورية، ليباشر مهامه في بداية عهد جديد للحكومة الثالثة من عهد رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بعد حكومتي الرئيسين فؤاد السنيورة وسعد الحريري.

صباح أمس، دخل نجيب ميقاتي الى السرايا الكبير في ظروف أقلّ ما يقال فيها إنها استثنائية. صحيح انها ليست المرة الأولى التي يدخل فيها الى السرايا رئيس للحكومة من نادي رؤساء الحكومات السابقين، لكنها المرة الأولى التي يدخل اليها أحدهم لا يمثّل الأكثرية النيابية السنية، على الأقل منذ اتفاق الطائف الى اليوم، بَل رغما عنها وبلا توافق معها، بعدما كان جزءا منها.

المفارقة في ما حصل لا تقف عند من يمثّل أكثرية سنية او خلاف ذلك. فالحجم المطلوب لتوفير "حكومة ميثاقية" متوافر بحده الأدنى. فإلى جانب من يمثّل الأقلية السنية في الحكومة العتيدة، هناك غالبية شيعية، وأخرى درزية ساحقة، ومسيحية لا بأس بها. لكن وللمرة الأولى، هناك رئيس حكومة لم يتمكن من تعديل كلمة واحدة من بند في البيان الوزاري فرض في مشروع هذا البيان، في لحظة إقليمية ضاغطة، حَتّمت الإطاحة بالتوازنات المذهبية، لتأمين ولادة قيصرية لحكومة كان يجب أن تولد قبل عصر يوم الإثنين في 13 حزيران الماضي، أي قبل أيام قليلة على صدور القرار الاتهامي وتحوّلات اقليمية ودولية يجب استباقها بأيّ شكل من الأشكال.

وعلى هذه الخلفيات، يرصد العالمون بحقائق الأمور، انها المرة الأولى التي يصطدم فيها رئيس الحكومة، عندما كان يرأس لجنة إعداد البيان الوزاري، بأكثرية من أعضائها فرضت عليه تعابير وأوصافاً في أدقّ الملفات خطورة، وهي المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

ولمّا استنجد بأصدقاء له في اول جلسة لمجلس الوزراء خصصت للبَتّ بالصيغة النهائية للبيان الوزاري، اصطدم ورفاقه "الوسطيين"، قدامى وجدد، بأكثرية وزارية تعيش في كنف رئاسته، فخذلته وأنتجَت واقعا حكوميا جديدا، لا يقارب تجارب الحياة السياسية والحكومية التقليدية وسابقاتها.

وهكذا، ظهر الرئيس ميقاتي مُربكا ومتلعثما، في أثناء إلقاء كلمته في نهاية جلسات المناقشة الخمسة للبيان الوزاري في ساحة النجمة، يحاول الدفاع عن عبارات ومعادلات استخدمَت في بعض بنود البيان في مرحلة تَلَت فَشله في تعديلها او إلغائها على مرحلتين. لكن الأمر ظهر وكأن ما كتب قد كتب، وما عليه سوى الدفاع عن نَصّ تبَنّاه مُكرها، على رغم ما حَواه من تناقض فاضح، مع سلسلة من التعهدات التي أطلقها امام دبلوماسيين عرب وأوروبيين وأجانب، فبَدَت، بعد إقرار البيان الوزاري، وكأنها مواقف شخصية قد لا تلتزمها الأكثرية الحكومية في لحظة من اللحظات.

ولذلك، يتوقع العارفون ان يواجه الرئيس ميقاتي حروبا كبيرة وصغيرة في الداخل الحكومي وخارجه، في الساحة الإقليمية والدولية، علما بأنّ البلاد، وحكومتها معها، على موعد مع سلسلة من الاستحقاقات المتصلة بها، فكيف سيكون عليه الوضع؟

ومن هنا، يقول العارفون إن المواجهة التي تنتظر الرئيس ميقاتي في الداخل الحكومي، قد تكون أشرس وأقوى ممّا سيجري مع المعارضة التي تنتظره في الخارج. فبعد أقلّ من شهر تقريبا، ستنتهي مهلة تسليم المطلوبين الأربعة من مسؤولي حزب الله وعناصره الى المحكمة الدولية، ولن تتمكن الأجهزة المختصة من إحضارهم أمام هذا القضاء، فتستحق بذلك أولى المهَل القانونية التي نَصّت عليها قواعد الإجراءات في المحكمة الدولية، ومنها تبدأ المرحلة الأولى من المواجهة بين الحكومة والمحكمة.

وتزامنا، سَيَرى الرئيس ميقاتي قريبا أنّ عليه، ومن ضمن احترامه لالتزامات لبنان تجاه المحكمة، أن يُدرج على جدول أعمال مجلس الوزراء بندا خاصا بتسديد حصّة لبنان من تمويل المحكمة الدولية التي استحقت منذ آذار الماضي. فهل سيوافقه مجلس الوزراء على صرف هذه المبالغ؟ وأمام هاتين المحطتين الهامّتين من دون غيرهما من الاستحقاقات الأخرى التي قد تكون أخطر وأدهى، كيف سيتصرف الرئيس ميقاتي؟ وإذا تكرر فشله في تأمين الإجماع الحكومي حولهما، كما في التجربة السابقة التي خذلته، فماذا سيحصل؟ وهل سيكتفي المجتمع الدولي، ومعه رئيس المحكمة، باحترام تعهداته الشخصية وما عبّر عنه من نوايا صادقة، وعن رغبته بالتعاون وبمنع المواجهة الحتمية بين الحكومة من جهة والمحكمة، ومن خلفها المجتمع الدولي، من جهة أخرى؟ وفي حال العكس، وهو الأصح والمتوقّع، فماذا سيحصل؟.

على كل هذه الوقائع والتطورات، تَرتَسم عناوين المرحلة المقبلة من مهمة الرئيس ميقاتي، فهل سينجح في إدارة هذه الملفات من دون الأكثرية الحكومية والنيابية التي أوصلته الى السرايا، أم انه سيكون امام مأزق كبير، فتَصحّ نبوءة من توقّع له أن يندم.

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل