#adsense

قصة اغتيال!

حجم الخط

كتب ملحم الرياشي في صحيفة "الجمهورية": عند التاسعة من صبيحة ذلك اليوم، غادر مقره الصيفي في حالات متجهاً الى الرابية، قاد سيارته بنفسه والى جانبه ضابط الامن وخلفه مرافق، وانطلقوا باتجاه العمل، سيارة المواكبة العسكرية سارت على مسافة غير قليلة لعدم لفت الانظار، لكن الانظار كانت ملتفتة ومتربصة في أكثر من موقع وأكثر من نقطة لمراقبته. السيارة تلتهم الاسفلت مسرعة الى لقاء أكثر سوريالية، وداخل السيارة يدور حوار آخر يحاول استذكار تظاهرة ارتفعت فيها اليافطات يوماً لتهدر دماء "الكافر الياس المرّ"، الى تلك الحركة المحفوفة في مكافحة الارهابيين، بحثاً في صفحات الاغتيالات، وفي من، ولمن، ولمصلحة من، وصولاً الى انقلاب الرأس على عقب الخيارات، خارج ما يسمّى "بيت الطاعة".

وصل الوزير غير المطيع، الى سواحل كسروان، فكان أن تلقّى اتصالاً من احدهم يستعجله على موعد، واستقدمه الاتصال نحو وضع جديد، "هل أُكمل نحو بيروت؟ ام أُتابع الى المكتب؟"

زاد ازدحام السير، السيارة لم تكن داكنة الزجاج بما يكفي، بعض الباعة يجولون من حولها، الاتوستراد يزدحم أكثر، الاتجاهات نحو بيروت تختلف عن ايام الآحاد، صور الشهداء حاضرة من رفيق الحريري الى جورج حاوي، و"لأجل لبنان" تملأ اللوحات الاعلانية والشوارع، رائحة البحر تفوح رطوبة مزعجة، ونشرات الاذاعات تزفّ الى اللبنانيين تحركات السياسيين، المأسورين بجريمة العصر لرفيق الحريري، التي ساهمت في نقلهم من معركة سياسية تقليدية، الى معترك الحرية.

بلغت السيارة مشارف انطلياس، ووزير الدفاع في حكومة ميقاتي، التوافقية في حينه، يستدير من تحت الجسر، ليأخذ الطريق الداخلية باتجاه الرابية، جسر المشاة يحمل اقداماً راكضة بالاتجاهين نحو البحر ونحو بطريركية الارمن، حيث تدخل السيارة لتخترق الشارع الخلفي للبطريركية.

عند الاشارة الاخيرة، بانَ احدهم وكأنه يؤكد على سيارة الوزير، فتهيأت آلة القتل واخذت موقعها بسرعة، لتبلغ السيارة شفير الموت، ويضغط القاتل على زناده، تنفجر السيارة، يتطاير الزجاج واللحم والحديد، في مشهد جمع بين واقعية الانتاج العرضي للقتل والجريمة، وبين سوريالية الخارج من زجاج السيارة ملتحفاً سواد الدمار، لتلتقي عيناه بعيني القاتل.

الياس المرّ هو الشهيد الوحيد، الذي رأى قاتله، ولم يزل الى اليوم يردد انه يعرفه من بين آلاف، ولو احتشد بين آلاف.

قبل يومين على ذكرى مرّت منذ ستٍ، نستعيد اليوم المشهد، لوزير لم يجد طيلة سلطته على "الدفاع"، دفاعاً عن قضيته ولو بورقة في ملف الجريمة، جريمة قتل كاملة الاوصاف ولم تنجح؛ نستعيد المشهد، والادعاء الدولي يقرع على الباب بقوة.

قد يكون الدم أغلى لأنه رمز حياة، لكن الحياة التي تنزف وتروي.. قد تزهر وطن!

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل