#dfp #adsense

قراءة مُتأنيّة في عِظات البطريرك

حجم الخط

مهما كانت قراءةُ عِظَاتِ البطريرك الرّاعي، في كلِّ مناسبة، ذاتِ خصوصيّةٍ بالغةِ القيمة، من حيثُ الوضوحُ، والمُباشرة، وهي كذلك، غيرَ أنّ وراءَ الأكَمةِ ما وراءَها، فما يقولُهُ البطريرك لم يكن، يوماً، بكاءً على أطلالِ لبنان، بقَدرِ ما كانَ تَغريداً إتّهاميّاً خارجَ هذا السَّرب. فبالرّغمِ مِمّا تتعرّضُ له الساحةُ الوطنيّةُ من اهتزازاتٍ وخيمة، تَفترضُ، بحَسبِ خَجولي الكرامةِ والشخصيّة، الإعتدالَ، والطّراوةَ، والإنكفاءَ عن السلبيّة، تأتي مقاربةُ البطريركِ، دائماً، إزعاجاً للقيِّمينَ على شؤونِ البلاد، الذين يتّهمُهم الرّاعي بأنّهم تخلَّوا عن البلدِ، ليُصبحَ مُستَباحاً لِمَن يريدُ الإمساكَ به، وامتلاكَ قرارِه. وهو واضحٌ جداً في تحديدِ الجهةِ المستقويةِ بالسّلاح، التي تسعى الى استبدالِ الكيانِ القائمِ بحيثيةٍ مستوردة، تفرضُها بالقوّة. أمّا الموقفُ الثّوريُّ الذي فاجأَ المُنزعِجين، وأكثرُهم في سُدّةِ الحكم، فكان في استنجادِ البطريركِ بالأممِ المتحدةِ لتتولّى إنهاءَ الأزمةِ اللبنانيّة، في حالِ فشلِ السّاسةِ المحلِّيّين، وإنّهم لَفاشِلون.

يقولُ ” فرويد ” : إنّ الحلمَ هو تحقيقٌ لرغبة. لكنّ ذلك عسيرٌ على لبنانَ الذي يُغلِقُ حكّامُهُ قلوبَهم عن طَوافِ الخَيرِ بها، كما أشارَت عِظَةُ البطريرك، ليبقى وَصلُهم مع الشرّ، مَتيناً، فلا يُدانيهم انعتاقٌ من فسادِ أَصلِهم. فهؤلاءِ فُطِروا على الفضائحِ، والتّقصيرِ، وانتهاكِ الحقوق، والتّقاعسِ، والسُّلطَويّةِ المُخِلّةِ بالأنظمة، واعتادوا على أن يُدرَجَ في أسماعِهم قَصفُ القُبح.

كُنّا نظنُّ، مع سيِّدِ بكركي، أنّ مرحلةَ ما قبل الدولة، قد انقَضَت غيرَ مأسوفٍ على شبابِها أساساً، وزالَت طقوسُها من ذاكرةِ الناس، وتَجاوزَ التقدّمُ عدَّتَها، لكنّ بعضَ الظنِّ إِثم، فقد استعادَ القَيِّمونَ على شؤونِنا، رجعيّةَ تلكَ الحقبة، وانحطاطَها، ورسّخوا حُلَلَها لتكونَ وصمةَ عارٍ تشوِّهُ مُحَيّا الوطن. وفي هذا الإطار، كان بِوِدِّ البطريرك أن يستحضرَ “هولاكو” الذي أحرقَ بغداد، وقد كانت عاصمةَ الثقافةِ، والعِلم، والفكر، زمنَ العبّاسيّين، وأعادَها الى همجيّةٍ نَحَرَت حضارتَها، لأنّ الرّاعي، ونحنُ معه، لم يَجدْ تَبايُناً بين “هولاكو” المَغوليّ الذي لوَّنَ نهرَ “دِجلة” بالأَسودِ نتيجةً لكميّةِ الحِبرِ العائدةِ لِما أُلقِيَ في لُجَّتِهِ من أُمّهاتِ الكتب، وبالأَحمرِ نتيجةً لإراقةِ دماءِ القتلى الذين تجاوزَ عددُهم الآلاف، وبينَ لوثةِ الزمنِ الرديءِ، عندَنا، حيثُ سلوكُ المسؤولينَ يدمّرُ الحريّةَ، والرّجاءَ، ويُدحرجُ الوطنَ الى جهنّم، حيثُ يتعانقُ مصيرُ الناسِ الأَسوَدُ مع عذابِهم الأَحمر.

إنّ توصيفَ الرّاعي للوضعِ القائمِ يستندُ الى أنّ الحاكمين قد نَشَّأوا سلوكَهم، في بلادِنا التي تستنكرُ وجودَهم فوقَ ترابِها، همزةَ وصلٍ بينَ الشّعبِ والنّار، فبدلاً من نُمُوِّ حالةِ الصّفاء، والفرح، والطمأنينة، والسّلام، سادَت تشكيلةٌ من القلقِ، واليأس، والصّدمات، والنّعي، والعُقم، وهي خيرُ ناطقٍ بنيّةِ قُطّاعِ الطّرقِ الذين يعلَمون ما يفعلون. ولعلَّ البطريرك واثِقٌ بأنّ أيّةَ جراحةٍ لتجميلِ صورتِهم الجحيميّة، سوفَ تعجزُ، حتماً، عن إحداثِ نقلةٍ، لهم، من التِصاقِهم بالخِزيِ، وبعُريِهم الخُلُقي، وأَذاهم المُدَمِّر، وأدائِهم الفِتنَويّ، كذلك، مهما كان نَدَمُهم مُدَوِّياً، فهو ليسَ سوى رَوَغانِ ثعالب، وكَمينِ ذِئاب.

في طَيّاتِ عِظَةِ البطريرك أنّ مَشاهدَ حُبوسِ القِيَمِ الوطنيةِ، وامتشاقِ الأغلال، وارتقاءِ البلادِ الى عصرِ الحَجَر، لم تكن سوى اندثارٍ مقصودٍ لتركيبةِ النّور، ولاشتهاءِ الناسِ الى النّقاء، فبدلاً من أن يُؤْمَلَ بانهزامِ حسرةِ الخيبة، والليالي المحروسةِ بالوساوس، تهبُّ عواصفُ، من داخلٍ ومن خارج، كوارثُها متواصلةٌ، يقودُها بَلَديّون اغتالوا وطنيَّتَهم، وعن سابقِ قَصدٍ، ومعهم ثيوقراطيّون متزمِّتون، تَوَسُّعيّون، يريدونَ بَسطَ سلطانِهم على مَنْ حولَهم، وتَعييشَهم التَّبَعيّةَ، والخضوع، مُستَخِفّين بمبادئِ السيادة، وحُرمَةِ الوطنِ، وشرعةِ الحريّات، وخيارِ الحياد.

أنا لا أُقَوِّلُ البطريرك الرّاعي ما لم يقلْه، لكنّ القصدَ من عظتِهِ يختزلُ قناعتَنا الجماعيّةَ والعابرةَ للطوائف. لذلك، كنّا قد آلَينا على أنفسِنا، بحُكمِ رقيِّنا الأخلاقي، بألّا ننساقَ الى تسطيرِ حكمٍ مُبَرمٍ يدينُ مَنْ كنّا نحسبُ أنّنا  متكافِئون، وإيّاهم، في الإنتماءِ للوطن، والوفاءِ لقِيَمِه، حتى أتى هؤلاءِ، تكراراً، ما يُثبِتُ إنكارَهم لهويّةِ لبنان،  وأساءَتَهم الى المصلحةِ الوطنيّة، وتهميشَهم لوجودِ الدولة، ومجاهرتَهم بالولاءِ لاستعمارٍ معروفةٍ نواياه…ساعتذاك، تقدَّمنا بالنُّصحِ، والتّنبيه، ودَقِّ ناقوسِ الخطر، مع سيّدِ الصَّرح، علَّنا نُعيدُ الى ” زملائِنا ” المُقيمين معنا رُشدَهم الوطنيّ، لكنّ محاولاتِنا باءَت بالفشل، وبِتنا مقتنِعينَ، تماماً، بعدمِ جدواها، وبأنّ مرضَهم استعصى على كلِّ علاج. وفي مراجعةٍ سريعةٍ لعِلمِ النّفسِ السّلوكي، يتبيّنُ أنّ التلوّنَ المُتَضَعضعَ في الشؤونِ الوطنيّة، وتَرَسُّخَ الضّغائنِ في الأذهان، ينغي أن يخضَعَ مَنْ ساهموا في إصابتِهِم بهما، لإعادةِ تأهيلٍ إلزاميّةٍ لاستعادةِ التّوازن، وإلّا سيكون الحَجرُ الوطنيُّ هو الحلّ.

من الواضحِ ، تماماً، في عظةِ البطريرك، أنّه لمّا كان لبنانُ كياناً معرَّضاً للخطر، لِتَدافُعِ المؤامراتِ عليه، وخُطَطِ تفكيكِهِ وإخضاعِهِ للإستبدادِ به، من جانبِ جهاتٍ مُقتَرِنَةٍ بالشيطان، صار لِزاماً على السياديّين الحقيقيّين أن ينتقلوا الى صيغةٍ نضاليّةٍ تؤسِّسُ لإعادةِ تركيزِ مبادئِ الحرية، والعدالة، والحقوق، بدءاً بالإصرارِ على المشاركةِ الكثيفةِ في الإنتخاباتِ القادمة، وبمتابعةِ مواجهةِ الحالةِ النيوفاشيّةِ التي تسعى الى غَرزِ المزيدِ من التشظّي في كيانِ الوطن، وباستمرارِ المطالبةِ بتطبيقِ القراراتِ الدوليّةِ المُتناغِمةِ مع منطوقِ الدستور، وبالتّركيزِ الدّقيقِ على أصلِ الأزمةِ اللبنانيّةِ المُتَمَثِّلِ بتفلُّت السلاح، واقتنائِهِ بشكلٍ غيرِ قانونيٍّ، خارجَ القوى المسلَّحة الشرعيّة، وبالتّأكيدِ الدائمِ على أنّ  الديمقراطيَّةَ والحيادَ هما النظامُ الأَمثَلُ للبلاد، وبأنْ لا مرجعَ للشّعبِ إلّا الدولةُ القادرةُ المسؤولة…

إنّنا ننحازُ، مع غبطةِ أبينا سيّدِ بكركي، لقضيّةِ لبنانَ، انتصاراً للكرامة، فهي، معنا، طريقٌ مسلوكٌ بهدايةِ ولائِنا، ووفائِنا لمبادئِها، ورَبطِ الصّلَةِ بين استمرارِها ووجودِنا. ولو كان الطريقُ شاقّاً، يَستدعي ازدحامَ الهِمَم، فإنّ البطريركَ الجريءَ،وحدَه، يُقْدِمُ عندما تَقُلُّ بشاشةُ وجهِ الوطن، ويَغبَرُّ لَونُهُ، ليُوَجِّهَ البوصلةَ نحوَ الحقيقةِ، ويُصيب.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل