أغلب الظنّ أنّ العملية العسكرية لـ"المقاومين" الأشاوس ضدّ "العدوّ اللبنانيّ" كانت ستستأنف. والمقدّر أيضاً أنّ العملية كانت ستتوسّع نطاقاً ولا تعود فقط "عملية موضعية" أو "جراحية". لكن المقدّر أيضاً أنّه وفي أيّام إضافية قليلة كانت هذه العملية ستصطدم بـ"خطوط حمراء" جديدة لا يسعها تجاوزها، وأيضاً بمعطيات ميدانية جديدة تحدّ من واقع إحتكار فئة ما لمنظومة العنف الحاقد الموجّه ضدّ الفئات الأخرى. وطبعاً، ما كان للبنان أن ينجو من مناخات حرب أهلية حقيقية تدوم لسنة أو سنتين، مع مجموعة لا يستهان بها من إتفاقيات وقف إطلاق النار.
بمعنى آخر، حتى لو أنّ إتفاق الدوحة لم يوقّع في أيّار 2008، ما كان لـ"حزب الله" أن يسيطر على كامل المساحة اللبنانية، وما كان يمكن لموقف القوات الشرعية اللبنانية أن يكون هو نفسه، وكانت التناقضات اللبنانية المكبوتة ستنفجر.
ماذا يمكن أن يحصل في المقابل بعد نقض "حزب الله" لإتفاق الدوحة من جانب واحد، من خلال الإستقالة الفئوية المقيلة للحكومة السابقة، وباللجوء مجدّداً إلى التهديد باستخدام العنف، أيضاً في مخالفة واضحة لنصّ إتفاق الدوحة؟
الجواب الذي يأتيك من جانب "عبدة السلاح" أنّه من الآن فصاعداً ما عادت ثمّة مرجعية أو مؤسسة أو سياسة أو حركة يمكنها أن تحول دون اتساع رقعة هيمنة "المقاومين" على أبناء مستعمرتهم اللبنانية. وطبعاً لن ينتفع أو يقتنع هؤلاء الغلاة إن أخبرتهم أنه لطالما أصيبت مجموعات بـ "سكرة السلاح" في تاريخ بلدنا، وفجعت بعد ذلك بحقائق الواقع اللبناني من بعد السكرة، فكيف الأمر في حال مجموعة تبغي إطاحة كل شرعية لبنانية ومواجهة الإجماع العربيّ والشرعية الدولية في الوقت نفسه؟
إذاً يعتقد "عبدة السلاح" أنّهم استطاعوا من خلال نقض إتفاق الدوحة أن ينالوا ما لم يكن لينالوه لو أنّ إتفاق الدوحة لم يوقّع وانطلقت الحرب، كما يعتقدون أنّهم استطاعوا من خلال نقض هذا الإتفاق أن ينالوا ما لم يكن لينالوه بطبيعة الحال بعد خسارتهم المدوية للإنتخابات النيابية في حزيران 2009.
وفي مواجهة هذا الإعتقاد لا تنفع طبعاً الحجّة القائلة بأنّ الأكثرية الإستقلالية كان يمكنها أن تؤلّف الحكومة وحدها بعد إنتخابات حزيران، ذلك أنّ ما حال دون ذلك هو التوافق شبه المعلن بين كافة الأطراف على التجديد لأحكام إتفاق الدوحة بعد حزيران 2009 ولو كان ذلك من طريقة تلطيفه بنظرية "الوزير الملك"، هذا الوزير الذي قد يسجّل التاريخ أنّه في لحظة معيّنة أطلق رصاصة الرحمة على الوحدة الوطنية ثم الوحدة الكيانية اللبنانية.
إذاً هذا هو واقع الحال الآن: "حزب الله" لم يستطع السيطرة على البلاد بموجب عملية 7 أيّار، والذي لم يكن باستطاعته السيطرة عليها لو أنّ مؤتمر الدوحة فشل واستأنف القتال، وهو لم يستطع كسب الإنتخابات التي جرت في ظلّ "عقدة 7 أيّار"، ومع ذلك فإنّ هذا الحزب يعتقد أنّه بمجرد نقض إتفاق الدوحة من جانب واحد فتحت له أبواب السيطرة على البلد.
أما الأسباب التي تجعل "عبدة السلاح" يعتقدون بذلك فهو لأنّهم يرسمون اللوحة التالية: "حزب الله" قاعدة آمنة تحميها ظواهر مثل "نبيه بري" و"نجيب ميقاتي" و"ميشال عون" مع حفظ الألقاب، بالإضافة إلى "الإحاطة" بـ "وليد جنبلاط" و"محاصرة" موقع الرئاسة. أي أنّه لا حاجة الى "حزب الله" بعد الآن لصرف جهد على مواجهة أخصامه "الآذاريين" لأنّ هؤلاء سوف يصطدمون أساساً بالدروع الواقية المشار إليها.
وطبعاً، الحزب الذي يعتبر نفسه "منتصراً بتعريفه" لا يهتم كثيراً لا لشرعية وطنية ولا لشرعية دولية، بل يسرّه أن تتعامل الدول في العالم مع لبنان على أنّه ممسوس بـ "شبهة المروق". الحزب مرتاح تماماً لأن يصير البلد على صورته ومثاله من هذه الناحية.
إلا أنّ هذا الحزب ينسى أموراً أساسية هنا. منها أنه أثبت أنه عاجز عن الالتزام بأي تفاهم كما أثبت أن أي تفاهم معه لا ضمانة له، وهذا يعني عملياً دخول أي حركة في دائرة الفشل التاريخي وليس أبداً في إرادة الإقتدار كما يحسبها "عبدة السلاح".
وهذا بدوره يجعل الظواهر الملتحقة به أو الخاضعة له تقلق منذ نيل الحكومة الثقة، وتقلق لأن مصير "بني صدر" بدأ ينتظرها، من نبيه بري إلى نجيب ميقاتي وحتى ميشال عون.. لو اعتبر.
وينسى الحزب أيضاً أنه عندما يشن حملة على المحكمة فهو يعتنق "نظرية المؤامرة" في شرح أهدافها لكنه لا يدرك ما يعنيه "الفصل السابع" فيخالها مؤامرة تكتفي بمحاكمات غيابية وبلا تبعات عملية، اللهم غير تسليم "حزب الله" الحكم، وإعانته على أخصامه، بحجة حماية نفسه وأمن المقاومة والمقاومين.