نماذج "التهدئة" ملتبسة في لبنان والمنطقة
استقبال الأسرى محك لخروج "حزب الله" من "مناجاته الداخلية"
يغالي البعض في "التفاؤل". علامات التفسّخ بادية في غير بقعة من لبنان والمنطقة، لكنها لم تعد كافية لثني أهل "التفاؤل" عن الغلو فيه ولا هي كافية لجعلهم يقتصرون على استهلاك قدر متزن منه بإعتدال.
عناصر التوّتر لم يجر تسكين أو تجاوز أيّ منها، ولم يندمل أي جرح سواء بين الجماعات المتنازعة، أو بين الدولة المتواجهة، على امتداد الشرق الأوسط، ومن ضمنه لبنان. ومع ذلك ثمّة من يسوّق "التفاؤل" أكثر من ذي قبل، بل صعدت أسهم التفاؤل داخلياً وإقليمياً بشكل قياسي إذا ما استعرضنا السنوات المحتدمة السبع الماضية، وهي سنوات صادرتها تداعيات 11 أيلول 2001.
فهل تكون "التهدئة" المستجمعة لحظاتها من "مؤتمر أنابوليس" المنعقد بعد انقلاب "حماس" في غزة، إلى "الإتحاد من أجل المتوسط" المنعقد بعد غزوة بيروت، هي بداية "انكفاء" للـ"مشروع الأميركي" في المنطقة، وهل أن من يستطيع فرض أجندات "تراجعية" لهذا "المشروع" يكتفي أساساً "بالتهدئة"؟ أم ان "التهدئة" هي مساحة من الزمن يلتقط فيها هذا "المشروع" أنفاسه، لينتقل إلى حالة الهجوم من جديد؟
معايير التهدئة
اتجاهات ثلاث واضحة حتى الساعة:
1 ـ أن الأكثر احتفاء بمناخات "التهدئة" حالياً هم أولئك الذين صنّفوا أنفسهم في لبنان وعموم المنطقة بـ"الممانعين" أمام "الهجمة الأميركية" في السنوات السبع الأخيرة. عند هؤلاء كل "انفجار" هو "انتصار"، وكل "تهدئة" هي أيضاً "انتصار". المهم أن لا يجري التعرّض بالسوء للنظامين الإيراني والسوري أسوة بما حصل بالنموذج العراقي. معيار "الإنتصار" سواء كان "انفجاراً" أو "تهدئة" هو تجنيب أي من النظامين المحنة العراقية. الوسيلة إلى ذلك: الاستثمار في نموذج المحنة العراقية، وتعميم هذا النموذج.
2 ـ الدول الغربية، ومن ضمنها "الولايات المتحدة الأميركية" تحتفي هي الأخرى بنماذج محدّدة من "التهدئة"، قد تتفاوت ما بين المقاييس الأميركية والفرنسية وغيرها. بالنسبة إلى الغرب لا تعدّ أجواء "التهدئة" في لبنان أو في المنطقة "انتصاراً"، مثلما لا يعدّ "الإنفجار" بحدّ ذاته انتصاراً. الذهنية الإجمالية للغرب حيال ما يجري في لبنان أو في المنطقة هي أن "ورشة" دشّنت هناك وما زالت الأعمال فيها جارية. "الورشة" دشّنت في المنطقة ككل بعد 11 أيلول، وبشكل لا رجعة فيه بعد احتلال العراق. والورشة دشّنت في لبنان بعد صدور القرار 1559، وبشكل لا رجعة فيه بعد حرب تموز. الورشة تتعاطى بأمور بالغة التعقيد، ومواد سريعة الإشتعال وشديدة الخطورة. إنما لم يحدث أن أضطر أي حدث هذه الورشة الى تعليق أعمالها، ولا لرحيل المتعهد بها. وعندما تدخل الورشة فترة "تهدئة" ليس يعني ذلك أنها تأخذ قسطاً من "العطلة" سواء كان للإستجمام أو لتضميد الجراح. تبقى الورشة ورشة حتى في عزّ "التهدئة".
والمعايير الغربية للإحتفاء بالـ"التهدئة": التراجع النوعي الملحوظ في منسوب العنف في العراق،
والنجاح الأساسي الذي حققته القوات الحكومية في الموصل والبصرة فضلاً عما تحقّق بالمال وبالسياسة في الأنبار. الازدهار النسبي للمفاوضات غير المباشرة بين اسرائيل وسوريا. كبح هجمات صواريخ "القسّام" على قطاع غزّة. الهدوء الكلي لجبهة الجنوب اللبناني منذ آب 2006 وإلى اليوم. هذه ليست عند الدول الغربية مجرّد أمور ثانوية، وإن لم يكن من تقاليد هذه الدول أن تبرز هذه النتائج كـ"انتصارات الهية".
3 ـ مروحة الأنظمة العربية "المعتدلة" والقوى السياسية "الليبرالية" في العالم العربي. سواء احتفل "الممانعون" بنماذجهم للتهدئة، أو قدّم الغربيون نماذجهم البديلة لما يعتقدون أنه "التهدئة"، أو للجانب الآخر للـ"تهدئة" الذي يطمسه "الممانعون"، فإنه ينظر إلى هذه القوى "الليبرالية" الراغبة بالدفع بعجلة الديموقراطية واقتصاد السوق وإلى هذه الأنظمة "المعتدلة" على الصعيد الإقليمي الراغبة في تفادي ما أمكن من حروب وما أتسع من فتنة، على أنها الأكثر "تضرّراً" من "مناخات التهدئة". وهو ما يعود فيطرح السؤال عن معنى تهدئة يروّج لها على حساب كل من "الليبرالية" و"الإعتدال" وما جمع بينهما أو ميّز. فكيف تكون التهدئة تهدئة بعد ذلك؟
التباسات الورشة
السنوات السبع التالية على 11 أيلول، طبعها التدخل الأميركي في أفغانستان بإجماع دولي، ثم التدخل الأميركي في العراق بما يشبه الإنفراد، ما أنتج وضعية ملتبسة ومحيّرة في ما عنى ايران: فهي من جهة دولة أمست الولايات المتحدة تطوّقها من كل حدب وصوب، سواء من حدودها الشمالية الشرقية مع أفغانستان أو من حدودها الغربية مع العراق، وسواء من طرف القواعد الأميركية في آسيا الوسطى أو من الأساطيل الأميركية في مياه الخليج. لكن ايران هذه كانت في الوقت نفسه الدولة التي تسلّل نفوذها إلى أفغانستان ما إن ضربت حركة طالبان، وكانت الأخيرة قد أقصت النفوذ الإيراني وارتكبت مجازر التطهير المذهبي بحق الأقلية الشيعية من الهزارة، لتكون النتيجة بعد ذلك أن النفوذ الإيراني استطاع العودة من بوابة التدخل الأميركي، وبواسطة شبكة اضطرابات متمدّدة حيناً، ومنحسرة حيناً آخر، وتختلط أحياناً بفلول حركة طالبان. أما في العراق فدخل النفوذ الإيراني من الباب الواسع، وعلى خلفية التشظي المذهبي والعرقي للشخصية الوطنية العراقية. إلا أنّ المشهد الإجمالي للنفوذ الإيراني في العراق ظلّ يتعقّد سنة بعد سنة كونه يجمع بين ما يستحيل منطقياً الجمع بينهما: "المشاركة" في احتلال البلد أو تجزئته، و"المشاركة" في مواجهة الإحتلال. في "المناطق الفلسطينية" أيضاً كانت النتيجة الطبيعية لرفض ياسر عرفات كـ"شريك" للسلام، ومساواته ببن لادن بعد 11 أيلول، أن قويت شوكة "حركة حماس"، وقامت بإنقلابها لتنفصل بإمارة قطاع غزة، ومن لم يكن يرضى بياسر عرفات "شريكاً" للسلام الحقيقي بين "الشعبين" و"الدولتين" فرض على نفسه "حماس" كشريك في "التهدئة". في غزة كما في جنوب لبنان، تمكّنت ايران من تجيير "الإنسحابات الأحادية" الإسرائيلية لحسابها، كما استطاعت أن تستفيد من "مرحلة ما بعد عرفات" في غزة، ومن "مرحلة ما بعد الإنسحاب السوري" في لبنان. ولم تكن إيران مضطرة لإرسال عشرات الآلاف من قواتها إلى غزة أو إلى بيروت لفرض هذا النفوذ، ما دامت قنوات التعبئة الأيديولوجية (الأصولية المذهبية في حال لبنان، والأصولية العابرة للمذاهب في حال غزة) ووسائط التمويل والتجهيز والتسليح تفي بالواجب.
وكالة مطلقة أم مقيّدة للمقاومة؟
بعد سبع سنوات على "تدشين" هذه الورشة الإقليمية ينتشر النفوذ الإيراني في المنطقة أكثر من أي وقت كان. بل هو أقصى مدى يبلغه النفوذ الإيراني تاريخياً منذ الفترة الذهبية للدولة الصفوية إذا ما اكتفينا بالدائرتين الأفغانية والعراقية، ويمكن القول أنه أقصى مدى لهذا النفوذ منذ القرن السابع، إذا ما أخذنا اطلالة ايران الإستراتيجية على البحر المتوسط بعين الإعتبار بعد كل من انقلاب غزّة وغزوة بيروت.
مع ذلك، وبالرغم من كل ما يمكن أن يستثيره هذا المشهد من عناصر تسخين ومواجهة، تتداخل فيها "الفتنة الكبرى" مع "لعبة الأمم"، فإن مفردة "التهدئة" هي التي تروج على امتداد هذه المنطقة الآن. ووجه المفارقة أن "الممانعين" في وجه "الهجمة الأميركية" هم أنفسهم أقصى "المتفائلين" حالياً بمناخات "التهدئة". كيف يفهم ذلك؟
وفي لبنان، يعقد القران بين مفردة "التهدئة" ومفردة "الإنتصار الإلهي". يصوّر "حزب الله" صلح الدوحة على أنه تهدئة داخلية وانتصار في الداخل وعلى داخل ما. لا يرى تناقضاً بين الأمرين. وعلى صعيد المفاوضات غير المباشرة التي انتهت بصفقة الأسرى يجري دمج المفردتين معاً كذلك الأمر. التبادل هو "تهدئة" من حيث أنّ "حزب الله" يعترف لأول مرة بأن ثمّة ملفًا أقفل بشكل كامل مع العدو الإسرائيلي. لكن التبادل يقدّم في المجال نفسه "كانتصار الهي" وكاثبات لمشروعية "الإنتصارات الإلهية" السابقة وفي طليعتها "عملية الوعد الصادق".
الأكثر حرصاً على ابراز مشهدية "التهدئة" لبنانيأً واقليمياً هم الأكثر حرصاً على نفي صفة "اللاغالب واللامغلوب" عن "اتفاق الدوحة". وهنا يختلط الأمر على الجميع. لا يعود يعرف المرء ما المطلوب: هل ترسيخ قيمة "المشاركة" أم رهن المشاركة بحدّ "التوبة".
"عرس الأسرى" هو المحك للإجابة علن هذا السؤال. حتى الساعة ما زال الحوار "مناجاة داخلية" في جسم "حزب الله" بين من يعمل على دفع الآخرين إلى طلب "التوبة" وبين من يسارع إلى رفض أي "توبة" ممكنة، بحجة أن توبة المرتدين لا تقبل. هكذا مناجاة داخلية حزب اللهية كالتي رأيناها في التمايز بين خطاب للوزير محمد فنيش وللمسؤول في "حزب الله" نواف الموسوي بعيدة للغاية عن المستلزمات الأولوية للحوار الداخلي، حيث ضرورة الإنتقال من بيان وزاري يعطي "وكالة مطلقة للمقاومة" إلى بيان يعطيها "وكالة مقيّدة"، ويربط التقييد بالمستلزمات الدفاعية جنوباً قدر ما يربطه بالمصالحة الوطنية، ومن ضمنها المصالحة الإسلامية الداخلية، لأن في لبنان الآن مشكلة اسلامية اسلامية كما مشكلة مسيحية مسيحية، ولا ينفع منطق المكابرة على المشكلتين بحجة أن ثمة تحالفين متواجهين لبنانياً لكل منهما طوائف كاملة وأجزاء من طوائف تتبعه.