كتبت مارلين خليفة في صحيفة "السفير":
يتسلح لبنان بحليف قوي في ملف حدوده البحرية يتمثل بالقانون الدّولي الذي وبحسب دبلوماسي لبناني متابع "لم يتعرض له لبنان الذي التزم بالقوانين والأعراف الدولية المتعلقة بالبحار، في ما خرقتها إسرائيل بسبب عدم خضوعها لهذه الأعراف السائدة في هذا الخصوص".
هذا «الحليف» إن أحسن استخدامه يفتح الباب أمام معركة دبلوماسية قاسية… وبداية الحجج القانونية اللبنانية تنطلق من إتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار "فما إن تودع إسرائيل الخرائط الخاصة بها الى الأمم المتحدة والمتعلقة بحدود منطقتها الإقتصادية الخالصة، يجب ان يتقدم لبنان بشكوى الى مجلس الأمن الدولي يبرهن فيها أنها تشكل انتهاكاً لحدود منطقته الاقتصادية الخالصة وللقرارات الدولية ولا سيما للقرار 1701".
يشرح هذا الدبلوماسي العلاقة بهذا القرار على النّحو الآتي: "إذا عمدت إسرائيل الى تعديل الحدود بالمنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة بها فإن ذلك سيقود الى تعديل الحدود في المنطقة الإقليمية الخاصة بلبنان، لأن هذه الحدود ستكون خط الأساس على الشاطئ وعلى اساسه يرسم خط الحدود الإقليمية وحدود المنطقة الاقتصادية الخالصة لكل بلد".
"يكون خط الأساس بين نقطتين ثابتتين ناتئتين عند شاطئ البحر، وثمة قواعد عدّة لتحديده، تؤخذ هاتان النقطتان عادة ويرسم الخط الموازي لهما، على أن يكون على مسافة متساوية من النقطتين الثابتتين من النتوءات البحرية. ولبنان لا يعرف ما هي المعايير التي وضعتها إسرائيل لترسيم حدودها مع قبرص في هذا الخصوص، وبعد تحديد خط الأساس يحدّد بحسبه خط الوسط، وفقاً لذلك تقسّم حدود المنطقة الاقتصادية الخالصة" يقول الدبلوماسي نفسه.
ويضيف: "بالنسبة الى الاتفاقية الموقعة بين قبرص وإسرائيل، يجب أن يتقدّم لبنان بشكوى الى مجلس الأمن بعد أن سبق ووجه رسالة الى أمين عام الأمم المتحدة كوفي أنان بهذا الخصوص. تفيد الشكوى بأن الاتفاقية الموقعة بين قبرص وإسرائيل تتناقض مع اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار للعام 1982، كما تتناقض مع الأعراف الدولية، وتشكل اعتداء على حقوق لبنان، وتشير الى أن إسرائيل ملزمة حتى لو أنها لم توقع على اتفاقية قانون البحار باحترام الأعراف الدولية التي نشأت عن هذه الاتفاقية، فالعرف الدولي المتعلق بقانون البحار ملزم لإسرائيل ولا يمكنها التنصّل منه البتّة".
وعن القول بأن الأمم المتحدة لا شأن لها بالاتفاقيات الثنائية بين الدول، يجيب الدبلوماسي: "هذا صحيح، لكن يجب إفهام الأمم المتحدة بوضوح بأن الاتفاقية الإسرائيلية القبرصية تتناقض مع اتفاقية قانون البحار، وتشكل انتهاكاً للسيادة اللبنانية، صحيح بأن الأمم المتحدة تقول بأن ترسيم الحدود بين دولتين هو شأن ثنائي يخصهما ويتم عبر توقيع اتفاقية بين الدولتين المعنيتين، لكن توجد اليوم نقطة حدودية مشتركة بين 3 دول تمّ ترسيمها ما بين دولتين فحسب".
وعن قول وزير خارجية قبرص في رسالته الى نظيره اللبناني بأن أي اتفاق بين دولتين لا يلزم الدولة الثالثة إذا لم توافق عليه، يقول الدبلوماسي اللبناني: "صحيح بأن هذه الاتفاقية لا تلزم الطرف الثالث أي لبنان في هذه الحالة، لكنها مبنية على اساس هذا التفاهم الذي حسم بالنسبة لقبرص وإسرائيل نقطة الحدود المشتركة، وما حصل فعلياً أن الجانب القبرصي خلق نزاعاً بين لبنان وإسرائيل، وبالتالي حتى لو لم تكن هذه الاتفاقية ملزمة للبنان فيجب إفهام العالم بأنها موضوع نزاع لتثبيت حق لبنان مستقبلياً".
الفارق بين الرسالة التي أرسلها وزير الخارجية عدنان منصور الى أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون وبين الشكوى لمجلس الأمن الدولي جليّ "فتقديم شكوى ذو وقع دولي أقوى، لأن الشكوى توثّق ويأخذ علماً فيها أعضاء مجلس الأمن الدولي، وعلى لبنان إيداعها أيضا في الجمعية العامة للأمم المتحدة حيث تعتبر أيضا وثيقة رسمية وتبلغ الى الدول الأعضاء. بقيامه بهذه الخطوة يكون لبنان قد سجّل اعتراضه على اتفاقية يعتبر أنها تنتقص من حقوقه وتشكل اعتداء على حقوقه السيادية المتعلقة بالثروات الموجودة في المنطقة الاقتصادية الخالصة الخاصة به، وعندما يعرف العالم بأن هذه المنطقة الحدودية متنازع عليها، تترتب مسؤولية قانونية تلقائية على أية شركة تحاول التنقيب في المنطقة لأنها موضع نزاع مسبق".
وعن المرجعية القانونية المعنية بأن يرفع لبنان شكواه إليها أهي المحكمة الدولية لقانون البحار في لاهاي أم محكمة العدل الدولية؟ يقول الدبلوماسي اللبناني البارز "إن التوجه الى محكمة العدل الدولية يقتضي التوافق بين الدولتين المعنيتين لبتّ النزاع القانوني، ولبنان لن يعمد الى ذلك لأنه يعتبره اعترافاً بدولة إسرائيل، على الرغم من بعض الاجتهادات القائلة إنه ليس بالضرورة أن يعتبر ذلك اعترافاً، الأمر نفسه ينطبق على المحكمة الدولية لقانون البحار، خصوصا أن أي قرار يصدر عن هذه المحكمة يعدّ ملزماً للطرفين".
وهل عدم توقيع إسرائيل على اتفاقية قانون البحار يضعف من قدرة لبنان على المواجهة القانونية؟ يقول الدبلوماسي اللبناني: "صحيح أن إسرائيل لم توقع على الاتفاقية الدولية لقانون البحار لذا تجد حجة بعدم الالتزام بها، لكن هذه الاتفاقية هي تتويج لعملية تدويل لعدد كبير من القواعد العرفيّة، ما يعني أنها غير ملزمة بهذه الاتفاقية الصادرة عام 1982 لكنها ملزمة بالقواعد العرفية".
بالإضافة الى الشكوى اللبنانية الى مجلس الأمن الدولي يبدو القيام بحملة دبلوماسية وسياسية أمر لا مفرّ منه، "كأن يطلب وزير الخارجية اللبناني مثلا دعوة مجلس وزراء الخارجية العرب لاجتماع طارئ لمناقشة هذا الموضوع والخروج ببيان، وأن تجيّش وزارة الخارجية سفاراتها في عواصم القرار لعرض الاعتداء الإسرائيلي على الثروات اللبنانية في الحدود المشتركة، كذلك ينبغي مواصلة الضغط على القبارصة وإبلاغهم بأن اتفاقيتهم مع إسرائيل تتناقض مع تلك الموقعة مع لبنان ومع اتفاقية قانون البحار، حتى وإن قالوا بأن هذه الاتفاقية غير ملزمة للطرف الثالث أي لبنان، لكن قبرص من دون قصد ربما ساعدت الإسرائيليين في محاولة جرّنا الى التفاوض المباشر، من هنا ترفع إسرائيل سقف خطابها في شأن الحدود واضعة هدفاً أساسياً لها هو جلب لبنان الى طاولة التفاوض الثنائي ما يتيح لها نيل اعتراف ضمني بوجودها ككيان من جهة وإدخالنا في عملية مفاوضات عسيرة وطويلة لا تنتهي من جهة أخرى".
ويلفت الدبلوماسي اللبناني الانتباه الى أنّ "الاتفاق القبرصي الإسرائيلي لا يتوافق مع الإتفاق اللبناني القبرصي إذ يشير الأخير الى أنه في حال تفاوض أحد الأطراف مع طرف ثان وتوصل الى اتفاق حول النقطة رقم (1) أو رقم (6)، فعليه أن يعلم الطرف الآخر، لكن القبارصة لم يعلموا لبنان إلا في اليوم نفسه الذي كانوا سيوقعون فيه الاتفاقية مع إسرائيل وليس قبلاً".