#dfp #adsense

“البند العاشر”: النصّ والنقد

حجم الخط

قبل أن ينقضي شهر شباط الذي ترك لنا في سجلّ السادس منه، قبل 16 عاماً، “تفاهم مار مخايل” الخطير على حاضر لبنان ومستقبله، من المفيد إعادة الإضاءة على ملخّص الملاحظات البنيوية على مكامن خطورته، وتحديداً البند العاشر منه الذي يختزل أهدافه وأبعاده الكارثية، والتي لا يستطيع “الطرف العوني” تعديل حرف أو فاصلة منه، مهما تحدّث عن ضرورة تطوير “التفاهم”.

وهنا نصّ البند العاشر ومختصر النقد وملاحظاتي عليه:

أولاً: نصّ البند العاشر من “ورقة التفاهم”:

“حماية لبنان وصيانة استقلاله وسيادته”

“إن حماية لبنان وصون استقلاله وسيادته هما مسؤولية وواجب وطني عام تكفلهما المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان لا سيما في مواجهة أي تهديدات أو أخطار يمكن أن تنال منهما من أي جهة أتت. من هنا، فإن حمل السلاح ليس هدفاً بذاته وإنما وسيلة شريفة مقدسة تمارسها أي جماعة تحتلّ أرضها تماماً، كما هي أساليب المقاومة السياسية.

وفي هذا السياق فإن سلاح حزب الله يجب أن يأتي من ضمن مقاربة شاملة تقع بين حدين: الحد الأول هو الاستناد الى المبررات التي تلقى الإجماع الوطني والتي تشكل مكامن القوة للبنان واللبنانيين في الإبقاء على السلاح، والحدّ الآخر هو تحديد الظروف الموضوعية التي تؤدي إلى انتفاء أسباب ومبررات حمله.

وبما أن “إسرائيل” تحتل مزارع شبعا وتأسر المقاومين اللبنانيين وتهدّد لبنان فإن على اللبنانيين تحمّل مسؤولياتهم وتقاسم أعباء حماية لبنان وصيانة كيانه وأمنه والحفاظ على استقلاله وسيادته من خلال:

1 – تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الإسرائيلي.

2 – تحرير الأسرى اللبنانيين من السجون الإسرائيلية.

3 – حماية لبنان من الأخطار الإسرائيلية من خلال حوار وطني يؤدي إلى صياغة استراتيجية دفاع وطني يتوافق عليها اللبنانيون وينخرطون فيها عبر تحمّل أعبائها والإفادة من نتائجها”.

انتهى نصّ البند العاشر.

ثانياً –  ملخّص ملاحظاتي

1 – ذكَر البند سلاح “حزب اللّه” بالإسم وليس المقاومة. والهدف طبعاً حصر المقاومة بـ”حزب اللّه” فقط، بعدما استأثر وتفرّد بحمل السلاح وقضى على المقاومات التي سبقته (شيوعية، قومية، وطنية…) في الثمانينات والتسعينات 2020.

2 – هذا البند موضوع تحت عنوان “حماية لبنان وصيانة سيادته واستقلاله”. والصادم والمعيب ألّا يتم ذكر الجيش اللبناني أبداً وكأنه غير معني بسيادة لبنان، بل “حزب اللّه” وحده!

3 – لم تتم الإشارة إلى “المواثيق الدولية وشرعة حقوق الإنسان” إلّا في تبرير حمل السلاح، وقد خلت البنود التسعة الأخرى من أي ذكر للشرائع والمواثيق الدولية والعربية التي يلتزمها الدستور في مقدّمته، باعتبار أن “حزب اللّه” لا يعترف بها، فله شريعته وشرعيته الخاصتان به.

4 – ربط مصير سلاحه بـ”تحديد الظروف الموضوعية”، وتوافق اللبنانيين، وتحرير مزارع شبعا، وزوال الخطر الإسرائيلي، (واستجد الخطر التكفيري!)، ووضع استراتيجية دفاعية (لم يبادر عون إلى حوار وطني في شأنها كما وعد في خطاب القسم، إلّا قبل بضعة أشهر من انتهاء ولايته، وعلى سبيل رفع العتب لعلمه المسبق بعدم القدرة على عقد طاولة حوار وطني، كما حصل عملياً).

وكلها أمور غامضة مطلقة وغير محددة، وقد مضى أكثر من 16 سنة، وتمضي سنوات وسنوات بعد، بدون تحقيقها، ويستمر السلاح إلى أمد غير منظور، طالما أن هناك استنسابية في تقدير الخطر الإسرائيلي مثلاً ومتى يزول وكيف، ومتى تنتهي شمّاعة مزارع شبعا، ومتى يحين موعد الاستراتيجية الدفاعية!

والمعيب والصادم أكثر أن يكون قائد سابق للجيش قد وقّع على وثيقة لا تذكر دور الجيش لا من قريب ولا من بعيد في حماية لبنان وسيادته، بل تكرّس هذه المسؤولية لميليشيا بدون ضوابط واقعية قابلة للتنفيذ لمعالجة سلاحها.

والنتيجة معروفة:

تفرّد ميليشيا “حزب اللّه” بالقرار الاستراتيجي وخوضه الحروب الداخلية والخارجية على هواه (غزوة بيروت والجبل، حرب 2006، الصواريخ والمسيّرات، الانخراط في حروب سوريا واليمن والعراق وديار اللّه الواسعة…)، وفقاً لمقتضيات المشروع التوسّعي لمرجعيته في طهران، وبدون أن يكون لشريكه في التوقيع على الورقة أي رأي أو احتجاج أو موقف رافض.

ويكرر الفريق العوني دائماً، بل يتباهى، أن تحالفه “الاستراتيجي” ثابت وراسخ مع “الحزب”، أي تأييده المطلق لسلاحه، وإذا كان هناك خلاف يوجب تطوير “الورقة” فيمكن بحثه في أمور داخلية (“بناء الدولة” مثلاً، وكأن الدول تُبنى بالسلاح غير الشرعي، وباستراتيجية غير استراتيجيتها، وبأوراق تفاهم ثنائي وفئوي على خلفية حلف أقليّات وتبادل مصالح خاصة ومقايضات تحت ثنائية تحالف السلاح والفساد!).

فهل هناك عاقل يمكن أن يراهن على “بناء الدولة” مع ميليشيا لم تفعل إلّا خنق هذه الدولة ومصادرة شرعيتها وقرارها، وعزلها عن بيئتيها العربية والدولية!؟

والواضح أن الوظيفة الاستراتيجية للسلاح ليست مطروحة للنقاش وإعادة النظر بين الطرفين، بما يجعل هذه الوظيفة ترقى إلى مرتبة المقدّس الذي لا يُمسّ (تمّ وصف سلاح “حزب اللّه” في هذا البند بـ”الوسيلة الشريفة المقدّسة”)!

وهناك ملاحظات كثيرة على سائر بنود الورقة، نشرتُها سابقاً في مقالات صحافية (جريدة “النهار” وسواها)، وطرحتُها في أحاديث تلفزيونية وإذاعية وعلى مواقع التواصل.

•ملاحظة أخيرة:

للأسف، لم يقرأ كثيرون المضامين الخطيرة لـ”ورقة مار مخايل” خصوصاً في بندها العاشر الأخطر، واكتفوا ببعض عباراتها التجميلية، والدعوة الخادعة لانضمام القوى السياسية إليها، والإدّعاء أنها منعت الحرب الأهلية!

لذلك كان لا بد من إعادة نشر هذا البند وتسليط الضوء على أفخاخه.

وقى اللّه لبنان من إعادة نفخ الروح في شرور هذا “التفاهم” بحجّة التحالف في الانتخابات!

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل