الأسد يناور الأوروبيين وعينه على الأميركيين
تاريخ النظام السوري لا يبشر بعلاقات ديبلوماسية سوية مع لبنان
لن يصدق اللبنانيون كلام الرئيس السوري بشار الأسد عن رغبته بإقامة علاقات ديبلوماسية مع لبنان, إلا عندما يشاهدون بأم العين سفارة سورية في بيروت تلتزم أصول التعاطي والتعامل الديبلوماسي بين الدول. ولن يصدق اللبنانيون أن النظام السوري قبل أخيراً بالاعتراف بسيادة لبنان, إلا عندما يجري ترسيم حدود بلدهم الشرقية نهائياً. وكذلك لن يصدق اللبنانيون أن حكام دمشق أقروا باستقلال لبنان, إلا عندما يلمسون ويتأكدون أن هؤلاء كفوا بالفعل عن التدخل في شؤونهم الداخلية, عبر تأليب طرف على طرف, وتحريض طائفة على طائفة, واستمرار إدخال السلاح إلى حلفاء دمشق في لبنان.
بهذه المشاعر استمع اللبنانيون إلى كلام الأسد في باريس على هامش أعمال مؤتمر الاتحاد المتوسطي. ذلك أن خمسين عاماً من تاريخ العلاقات السورية-اللبنانية أكدت أن سورية لم تعترف بوجود لبنان, ولم تتعامل معه يوماً على أنه دولة مستقلة. فما الذي تغير اليوم حتى يقدم النظام السوري على هذا القرار الذي يعتبره اللبنانيون, إذا تحقق, تاريخياً?
بين الحقيقة والمناورة
يسود اعتقاد في الأوساط السياسية اللبنانية بأن دوافع الأسد ليست بريئة تجاه لبنان, وأن "التحول" الجاري في الموقف السوري هذه الأيام, في عدد من ملفات المنطقة, ليس سوى مناورة يلعبها حاكم دمشق في الوقت الضائع دولياً, أملاً بتحقيق مكاسب أوروبياً, عبر فك عزلته بداية, وعبر التمهيد لانخراطه في منتدى الدول الصديقة للاتحاد الأوروبي, مع ما يحمله ذلك من فوائد اقتصادية جمّة. وذلك بانتظار تقديم أوراق اعتماده مجدداً لدى الإدارة الأميركية المقبلة, بما يضمن استمراره ومن ثم حصوله على بعض النفوذ في محيطه.
وإذا كان من المبكر الحديث عن وضع "نهائي" للنظام السوري هو أشبه بحلم يقظة له, فإن الأكيد أن دمشق تسعى, كأولوية, إلى فك عزلتها الدولية بانتظار الخطوة التالية التي لا تملك هي زمامها. وهكذا أكثرت القيادة السورية في الأشهر الأخيرة من زيارات أركانها إلى العواصم الأوروبية والفاتيكان, واستقبلت في دمشق عدداً من وزراء الاتحاد الأوروبي, وتوجت كل ذلك بمشاركة الأسد في قمة الاتحاد من أجل المتوسط. وأبلغ المسؤولون السوريون نظرائهم في تلك الدول برغبة بلادهم في فتح صفحة جديدة كانت أولى بشائرها, وفقاً للمنطق السوري, تسهيل إجراء انتخابات الرئاسة في لبنان, وتمرير اتفاق الدوحة, والمساهمة في تهدئة الأوضاع بين حركة "حماس" والسلطة الوطنية الفلسطينية, بالإضافة إلى مساعدة اللاجئين العراقيين ومنع عبور المقاتلين عبر الحدود السورية إلى العراق, فضلاً عن معاودة المفاوضات بينها وبين إسرائيل بوساطة تركية, رغم تحفظ الحليف الإيراني الستراتيجي, ما عنى أن النظام السوري خطا نصف خطوة بالابتعاد عن طهران وحساباتها النووية.
ولكن هل وصل الأمر إلى حد الاستغناء الكامل عن لبنان الذي لطالما اعتبرته سورية جزءاً لا يتجزأ منها?
الواقع أن السحر السوري انقلب على صانعه, وأصبح النظام السوري عدو نفسه في لبنان, فأخرج من خلال سياسته الرعناء نفسه من هذا البلد. فبعد ثلاثين عاماً من الوصاية الكاملة على هذا البلد, عبر إشعال الحروب وإخمادها غب الطلب, وعبر استدراج العروض والمناقصات الأمنية لدى دول الغرب, دقت في أواخر العام 2004 ساعة الحقيقة للوجود السوري في لبنان, لأن العالم تغير, ولكن عمى النظام السوري وصمته منعاه من الرؤية والسمع, فحاول لمواجهة القرار 1559 التلاعب مجدداً مع اللبنانيين وأصدقائهم عندما زار بشار الأسد لبنان في نهاية عهد أميل لحود, مبدياً الاستعداد لإقامة علاقات ديبلوماسية بشروط. ولما لم تفلح المحاولة قرر المواجهة بالاغتيالات والإرهاب والتفجيرات في محاولة يائسة لإحباط "ثورة الأرز" ووقف الاندفاعة الدولية الداعمة لاستقلال لبنان, وكانت محصلة هذه السياسة الرعناء الخروج غير المشرف للجيش السوري ومخابراته من لبنان, وتقهقر حلفائه والانزواء بعيداً من مسرح السياسة اللبنانية.
لعل النظام السوري فهم معاني أحداث السنوات الثلاث الماضية فباشر خطواته الانفتاحية تجاه أوروبا, ولكن في المقابل لا أحد يضمن عدم حصول تغيير معاكس في اتجاه السياسة السورية. كيف?
تجربة سابقة
يشبه بعض المراقبين المرحلة اللبنانية الحالية بمرحلة ما قبل العام 1975, إذ كان لبنان في حالة حرب أهلية, وكانت منظمة التحرير الفلسطينية تتخذ من جنوب لبنان منطلقاً لعملها العسكري ضد إسرائيل, وكانت الأحزاب اللبنانية المتقابلة تتسلح وتخوض في الوقت نفسه صراعاً حاداً على السلطة, ولحظة انفجار التناقضات اللبنانية-اللبنانية من جهة واللبنانية-الفلسطينية من جهة أخرى, كان النظام السوري حاضراً وفي أعلى مستويات الجهوزية للتدخل داعماً هذا ضد ذاك, ثم داعماً للثاني ضد الأول, وعندما عمت الفوضى الشاملة بانهيار الدولة اللبنانية ومؤسساتها, استطاع النظام السوري انتزاع تغطية عربية مع تحفظ كثير من الدول وأبرزهم الكويت, في قمتي الرياض والقاهرة 1976 للتدخل العسكري المباشر.
واليوم تبدو الصورة مغايرة في الشكل, ولكن في المضمون فإن التناقضات اللبنانية لا زالت قائمة, وترسانة السلاح لا زالت موجودة, وإن تغيرت هوية حاملها. وحلفاء دمشق في لبنان كثر وجاهزون للتحرك إما للسيطرة على البلد وإعادة الوصاية السورية غير المباشرة, أو الانخراط في حرب أهلية جديدة, شهدنا بعض البروفات عليها خلال شهري مايو ويونيو الماضيين في بيروت والجبل والشمال, تؤدي في نهاية المطاف إلى التدخل العسكري السوري مباشرة تحت ذريعة حماية طائفة ما من الاضطهاد.
في العام 1976 كان الراعي للتدخل السوري عربياً, واليوم بعد انكشاف نظام دمشق على المستوى العربي, تحول النظر باتجاه أوروبا بحثاً عن راعٍ آخر.
هذا السيناريو الأسود يبدو مستبعداً في نظر بعض المراقبين "المتفائلين", بحجة أن الظروف الدولية تغيرت جذرياً, بحيث أن النظام السوري لن يجد أحداً في العالم يصدقه ويغطي مخططاته. وبالعودة إلى موضوع العلاقات الديبلوماسية بين لبنان وسورية, يعتبر هؤلاء المراقبون أن تعهد الأسد لم يكن شكلياً إنما جاء في إطار إعلان سوري-فرنسي رسمي وعلى أعلى المستويات.
في المقابل, فإن دعاة الرأي الآخر يدعمون موقفهم بحجتين اثنتين. الأولى: أن الأسد الذي تعهد قبل ثلاث سنوات بإقامة التبادل الديبلوماسي مع لبنان, لم ينفذ وعده, علماً أن حلفاءه أو بالأحرى أتباعه, كانوا في السلطة. واليوم يعلن الموافقة على إقامة هذا التبادل بعد أن ضمن لأتباعه ثلثاً معطلاً في الحكومة اللبنانية, أي بعد أن ضمن أن عدم الإيفاء بالتزاماته الفرنسية سيجد من يؤيده حتى داخل الحكم اللبناني.
الحجة الثانية, وهي الأخطر, تتعلق بالمفاوضات مع إسرائيل, إذ أن خشية اللبنانيين كبيرة من أن يتقاسم الجاران الإقليميان القويان لبنان, كمنطقة نفوذ وامتداد جغرافي-سياسي-أمني لهما. ومن الدلائل على ذلك أن التفاوض الجاري بينهما الآن في تركيا يمثل مصير أراض وأنهار وجبال لبنانية في منطقة مزارع شبعا, حيث يرسم الطرفان خارطة جديدة للمنطقة, دون علم السلطات اللبنانية, وبتغطية من القوى الفاعلة على الأرض.
وعليه فإنه على المستوى الداخلي يوجد حصان طروادة سوري داخل الحكم اللبناني, وعلى المستوى الإقليمي, لا يحتاج النظام السوري إلا لمباركة إسرائيل ليستمر في إحكام الخناق على لبنان, سواء بعلاقات ديبلوماسية أم من دونها.
العبرة بالتنفيذ
بعيداً من سياسة التوقعات والافتراضات من هذه الجهة أو تلك, فإن الإثبات الحقيقي لجدية النوايا السورية تجاه لبنان في ما خص الاعتراف بسيادته واستقلاله وقراره الحر, يكمن في سلسلة من الخطوات التنفيذية وتتناول كل القضايا الخلافية بين البلدين. ولعل زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان إلى دمشق تشكل خير مناسبة لطرح هذه القضايا وهي كما لخصها أحد الوجوه اللامعة في قوى 14 آذار النائب غسان تويني على الشكل التالي: تنظيم العلاقات السياسية والتنسيق الحكومي, تحديد الترتيبات العملية للتبادل الديبلوماسي وتحديد هيكلية السفارتين اللبنانية في دمشق والسورية في بيروت, تنظيم تنقل الأشخاص والبضائع عبر الحدود, مع الرسوم وشروط تجول السيارات داخل البلدين, ترسيم الحدود نهائياً وتثبيتها في الأمم المتحدة وإقامة مراكز مراقبة, حيث تتداخل الحدود كما في دير العشائر (قرية لبنانية داخل الأراضي السورية) وسواها, وتنظيم حقوق الملكية في أراضي الغير (أي اللبنانية في أرض سورية, والسورية في أرض لبنانية), تحديد آلية الاستفادة من المياه والأنهر المشتركة واستطراداً إقامة مشاريع ثنائية وتحديد أسس ذلك, وضع قواعد صارمة للتعاون العسكري بين البلدين, وكذلك الأمني عموماً والقضائي, علناً ورسمياً, وتبادل المعلومات الأمنية والقضائية والعسكرية. التنسيق في السياسة الخارجية وتبادل التقارير والمعلومات والتحليلات الديبلوماسية وخصوصاً في ما يتعلق بالمفاوضات العلنية والسرية مع إسرائيل أو في شأنها. وأخيراً إقفال ملف شبعا ومتفرعاته والتنسيق في تطبيق اتفاقي الهدنة وبقية قرارات الأمم المتحدة, ولا سيما ما يتعلق منها بالفلسطينيين. (النهار 24 يوليو 2008).
هذه البنود الطموحة كل لا يتجزأ ويجب على الجانب السوري الالتزام بها ليضمن لبنان استقراره وسيادته واستقلاله وحرية قراره. (ولكن التمنيات في مكان والوقائع في مكان آخر, إذ أن تنفيذ ورشة العمل هذه تعني من دون أي جدال, أنها ورشة مشتركة بين بلدين, ندين, متكافئين وسيدين. وقد أشار الرئيس سليمان في خطاب القسم إلى هذه العلاقة الندية مع سورية, فكان الجواب السوري الفوري أن قاطع وزير الخارجية وليد المعلم الاحتفال الذي تلا جلسة انتخاب الرئيس في "البيال", والذي حضره كل ضيوف لبنان من جميع أنحاء العالم, إلا سورية. وقد أعلن المعلم لاحقاً وعبر تلفزيون العماد ميشال عون صراحة انزعاجه من عبارة "علاقة الند للند".
علاقات بالمفرق
لم يثق النظام السوري الحالي منذ أيام الأسد الأب وحتى اليوم بأي رئيس لبناني حتى لو كان حليفاً وتم اختياره وفرضه على اللبنانيين انطلاقاً من دمشق, ان سياسة التعامل مع لبنان بالمفرق لم تتوقف طوال تسع سنوات, وكان غازي كنعان الحاكم الفعلي للبنان يؤازره جميل السيد الذي سرعان ما ارتقى على السلم السوري ليتحول الهراوي وبعده أميل لحود إلى مجرد واجهة لعدد من الضباط السوريين واللبنانيين الذين يحكمون البلد. وفي الوقت نفسه حافظ النظام السوري خلال عهدي الحليفين الهراوي ولحود على أوسع شبكة علاقات مع الرؤساء والوزراء والنواب والموظفين وحتى الصحافيين, وكان التعامل مع لبنان يجري عبرهم وليس عبر الدولة اللبنانية.
اليوم تجري استعدادات لعقد قمة لبنانية-سورية في دمشق فهل سيختلف السلوك السوري مع الرئيس سليمان عما كان عليه في الماضي. الواقع أن للنظام السوري الآن شبكة حلفاء لبنانيين يتمتعون معاً بقوة تفوق قدرات الدولة المركزية, فمن جهة هناك الحلف التاريخي مع الثنائي الشيعي (حزب الله وحركة أمل), ومن جهة ثانية جمعت دمشق أخيراً حلفاءها المسيحيين في اللقاء المسيحي الوطني بزعامة ميشال عون, بالإضافة إلى وجود أحزاب تابعة مباشرة للمخابرات السورية.
كل هؤلاء "الحلفاء" جاهزون للضغط من الداخل للقيام بأي محاولة تمرد أو تململ على الحكم اللبناني لإفشال أي محاولة لمواجهة السياسة السورية في العهد الرئاسي اللبناني الجديد, وقد ظهرت أولى الدلائل في استخدام هؤلاء عسكرياً في طرابلس للتأثير السلبي على تشكيل حكومة العهد الأولى.
كيان نهائي
لا يمكن للعلاقات اللبنانية السورية أن تستقيم إلا إذا اعترف النظام السوري قولاً وفعلاً بنهائية الكيان اللبناني. ولطالما رفضت سورية ذلك على رغم تعاقب الأنظمة والحكومات فيها, واعتبرت أن لبنان هو أحد المكونات التاريخية والجغرافية والإتنية لسورية الكبرى التي قسمها اتفاق "سايكس-بيكو" الفرنسي الانكليزي. وإذا كان البعض يعتقد أن لهذا الزعم سنداً تاريخياً ما, فإن التاريخ يعلمنا أن ثمة معطيات تتغير مع الزمن, خصوصاً وأن اللبنانيين يرون أن لبنان يمثل كياناً قديماً له وجوده وحضوره وخصوصيته في التاريخ والوجود والثقافة والنفسية الاجتماعية والمصالح المشتركة, والتي كرسها دستور العام 1926h ورسخها الميثاق الوطني عشية الاستقلال اللبناني حين توافق المسلمون والمسيحيون على رفض الانضمام والإلحاق والوحدة مع سورية, ورفض الانتداب والتبعية لفرنسا, وبالتالي الالتزام بلبنان دولة ووطناً سيداً حراً وموحداً ومستقلاً. وبعد الحرب الأهلية 1975-1990 توافق اللبنانيون مجدداً على صيغة جديدة للعيش المشترك في اتفاق الطائف, الذي وإن أقر بوجود علاقات مميزة مع سورية, إلا أنه حدد أسس تنظيم هذه العلاقة عبر الدولة اللبنانية فقط, الدولة السيدة والمستقلة, وليس عبر "دول لبنانية". وعندما وضع النظام السوري خلال احتلاله للبنان اتفاق الطائف جانباً, وحكم لبنان طوال عقد ونصف بالمخابرات والعسكر, انتفض اللبنانيون في العام 2005 وأسقطوا سلطة الوصاية وأقاموا استقلالهم الثاني.
علاقة سورية مع لبنان بعد الاستقلال الثاني علاقة صراع ومواجهة. إذا قرر النظام السوري أخيراً الاعتراف بلبنان, والخطوة الأولى, هي التبادل الديبلوماسي وترسيم الحدود, توقف الصراع. وإذا رفض فإن المواجهة مستمرة.