
السذاجة بعينها كانت ستتجسّد في الظن أن بياناً استثنائي النبرة والمعايير ومستقى من “أخلاقيات” بائدة في عرف السلطة القائمة وممارساتها وأدبياتها، كالبيان الذي صدر عن وزارة الخارجية بإدانة الغزو الروسي لأوكرانيا، سيمرّ من دون عاصفة هوجاء أو من دون ارتسام ملابسات مريبة وملتبسة حول ظروف إصداره. وما دامت “أفضال” هذه المبادرة لن تتكرّر إلا إذا شهد لبنان يوماً قد يبدو مستحيلاً، التغيير الجذري في موازين القوى بما يقيم فيه حكماً سيادياً حقيقياً متحرّراً من التبعية “الممانعة” فإن ثمة ما هو أعمق من الارتداد على بيان الخارجية يستدعي التمعّن في التعامل الرسمي والسياسي مع الحرب على أوكرانيا.
هذه العاصفة الداخلية التي هبّت عقب البيان كادت تقول في خلاصاتها إن كل من انتفض مباشرة أو مداورة من “أهل البيت” السلطوي وبالتحديد الثنائي الشيعي والقوى الدائرة في فلك 8 آذار وصولاً الى سيد العهد العوني ورئيس تياره في انقلابهما على أكثر الوزراء التصاقاً بهما، كل هذه “المنظومة” كانت تؤثر فعلاً إعلان تأييدها الساحق للغزو الروسي وليس التزام النأي بالنفس عن الحرب.
أسوأ الأكاذيب المخادعة السخيفة التي لجأ إليها الممانعون في التبرّؤ من بيان “يتيم” تفلت مرّة من مفاهيم السيطرة الأحادية وبالكاد عبر عن نفحة سيادية في رفض مبدأ الغزو والاجتياحات، أن أرباب التبعية للمحور الممانع باتوا يغدقون على اللبنانيين دروساً في مفهوم النأي بالنفس، ولولا حقدهم المعروف على بكركي لسبقوا سيّدها في التبشير بالحياد.
وما كانت هذه الظاهرة المعروفة المألوفة في الازدواجية المنافقة التي تتبعها قوى التحالف مع أنظمة الاستبداد لتستأهل أيّ وقفة لولا أننا سنكون أمام ردح طويل المدى يواكب الحرب الروسية على أوكرانيا بمزيد من إبداعات الازدواجية داخلياً. ذلك أن ثمة عوامل كثيرة ستدفع “الممانعين” في مواقع الحكم والحكومة والسلطة والسياسة الى مزيد من الانتفاخ خصوصاً العامل المتمثل بتوظيف الخزي الغربي الحقيقي أمام “القيصر” بوتين في غزوه لأوكرانيا في التباهي المتعاظم لقوى الحلف الممانع في لبنان حيال خصومه عند مشارف التحدّي الانتخابي.
يكاد المتابع ليوميات التعامل اللبناني السياسي والإعلامي والصحافي مع الحرب يخال أن فلاديمير بوتين أشعلها بناءً على إشعارات وتوجيهات تبلغها من مقارّ “أقطاب” 8 آذار أنفسهم وبما يتناسب والمصالح الانتخابية لهؤلاء الميامين الذين بات حلمهم باقتلاع “أزلام أميركا” في لبنان قيد التحقق الناجز الحاسم لكي يغدو لبنان “مطهّراً” صافيا نقيّاً إلا من أتباع إيران والنظام الأسدي.
ولعل الطرافة بعينها أن الخطاب الشامت بالهزيمة التي يتلقاها كل مراهن أو مرتبط بالغرب المتخاذل، كان يمكن أن يكون مبرّراً بالكامل لو جاء من جهات مستقلة سيادية حقيقية مهما تكن اتجاهاتها الداخلية والعقائدية. لكن هذا الخطاب الداخلي الصارخ الآن بالنشوة التي تأخذ بأصحابه ينهال علينا بأعظم إبداعاته من رموز التبعية المطلقة للمحور الإيراني – الأسدي وما أدراكم بالمستويات السيادية الخارقة لهؤلاء؟
ما كان الأمر ليستدعي استغراباً فوق العادة لأن لبنان مفطور من زمان على انقسامات عمودية وأفقية حيال كل تطوّر إقليمي أو دولي وحتى في حروب وصراعات عالمية لا تمسّ واقعه مباشرة. ولكن سيحلو “التفرج” على المنتشين الآن بالموجات العسكرية الأولى للغزو وتطوّر أدبيات خطابهم تباعاً لعلّنا نتبيّن العصب “السيادي” الصلب لديهم غداً، متى قامت في أوكرانيا “مقاومة” لاحتلال وغزو كان لبنان سبّاقاً ولا يزال في الزعم أنه يصدّر دروسها الى العالم!