.jpg)
دخلت الحرب الروسية على أوكرانيا يومها الخامس، ولا يبدو أن الحسم الذي أراده الرئيس فلاديمير بوتين قريباً. فأوكرانيا ليست جورجيا، ولا جزيرة القرم، وتغيير النظام في كييف أشبه بمهمة مستحيلة، خصوصاً بعد الالتفاف الشعبي والدولي حول رئيس أوكرانيا فولوديمير زيلينسكي، الذي لاقت مواقفه تأييداً واسعاً بعدما قرر مواجهة آلة الحرب الروسية بإمكانيات متواضعة.
لليوم الخامس على التوالي، تظهر أوكرانيا مقاومة شرسة وهذا باعتراف بوتين نفسه، وسط تكهنات وتحليلات تشير إلى الوضع الصعب بالنسبة للبلدين، إذ إن الوضع الإنساني بالنسبة للشعب الاوكراني كارثي، في حين أن إطالة الحرب الروسية سيؤثر سلباً على الجيش الروسي وسيضعه أمام حرب استنزاف لم يتوقعها الدب الروسي، ويبدو بأنه وقع في فخ يصعب عليه الخروج منه.
وحكماً، عند اندلاع الحروب، تتأثر دول العالم، فما هي تداعيات الغزو الروسي على منطقة الشرق الأوسط وخصوصاً لبنان؟ وما هي الخطوات الأميركية والأوروبية المقبلة لهذه الحرب؟
تؤكد مصادر مقربة من الإدارة الأميركية لموقع “القوات اللبنانية” الالكتروني، أن واشنطن كانت أكيدة أن بوتين سيهاجم أوكرانيا، وهي حذرت زيلينسكي الذي وضع جيشه في جهوزية تامة وتحضر في وقت سابق لسيناريو الحرب على طريقة الدفاع عن المدن الكبرى، ووضع الخطط اللازمة بالتنسيق مع أميركا ودول أوروبا.
وتشير المصادر إلى أن واشنطن لديها سياسة خارجية واضحة خصوصاً في عهد الرئيس جو بايدن وهي عدم التدخل في الحروب، لكن هذا لا يعني أن تترك أوكرانيا وحيدة في المواجهة، فهناك تنسيق عسكري وسياسي ودعم أميركي واضح ومساعدات عسكرية بملايين الدولارات وصلت إلى كييف، إضافة إلى تزويد أوكرانيا بالمعلومات الكافية حول تحركات روسيا والعمل على مواكبة المفاوضات الأوكرانية الروسية القائمة توازياً مع الحرب الدائرة.
وتدرك واشنطن، بحسب المصادر، طبيعة تفكير بوتين، وهي على علم بأنه سيضرب أوكرانيا، بالتالي العقوبات التي فرضتها واشنطن على موسكو مجدية، وستظهر نتائجها في القريب العاجل، وهذا امر يدركه بوتين جيداً كون اقتصاده لا يتحمل مثل هذه العقوبات القاسية.
وعلى صعيد أرض المعركة، ترى المصادر، أن “بوتين أخطأ في تقدير حجم المقاومة الأوكرانية، وظن بأن غزو أوكرانيا سيكون بمثابة نزهة، لكن حسابات موسكو لم تطابق توقعاتها، هناك مقاومة شرسة تظهرها أوكرانيا وهي فاجأت التوقعات، ومن الصعب على الجيش الروسي تغيير النظام في كييف لأن الشعب الاوكراني يقف متكاتفاً خلف رئيسه وحكومته”.
وحول انعكاس الحرب الروسية الأوكرانية على الشرق الأوسط ولبنان، اعتبرت المصادر أن الدول الحليفة لروسيا ستتأثر حكماً وعليها مراجعة حساباتها جدياً، ولكن أي حرب في العالم لها تداعياتها الاقتصادية والسياسة، لكن الاقتصادية أكثر على الشرق الأوسط، مضيفة، “لا اعتقد أن هناك تأثيراً مباشراً على لبنان، وخصوصاً اقتصادياً لأن الدول باتت مفتوحة على بعضها البعض ويمكن سد أي فراغ اقتصادي والاستعانة بدولة بديلة”.
أوروبياً، تشير المحللة السياسية، الخبيرة في الشؤون الأوروبية مايا خضرا في حديثها لموقع “القوات”، إلى أن الحرب القائمة بين روسيا وأوكرانيا تم التحضير لها منذ سنوات وكانت باردة بينهما في إقليم دونباسك المدعوم من موسكو والتي كانت تقدم لهم امتيازات روسية، وكما أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ان الحرب ستطول لأنه لا يمكن اخمادها بسرعة كون الرئيس الروسي يطالب بنزع السلاح الاوكراني إضافة إلى تعهد كييف بعدم الانضمام لا إلى الاتحاد الأوروبي ولا إلى حلف الشمال الأطلسي. وهذه ضمانات حصل عليها بوتين خلال قمة جنيف في كانون الأول المنصرم من قبل الاميركيين. لكن موسكو لم تحترم التعهد الأميركي لأنه يريد شن هذه الحرب من منطلق منطق الاتحاد السوفياتي القديم معتبراً أن أوكرانيا من ضمن المجال الروسي الحيوي ويريد احياء المنشاءات النووية من جديد وهي جزء من أوكرانيا وهذا تلاعب بالتاريخ.
وأكدت خضرا أن الحرب ستدوم لأن بوتين لا يستطيع الوصول إلى هدنة مع الأوكرانيين خلال المباحثات الحاصلة في بيلاروسيا، الاتفاق على الهدنة حالياً يعني أن روسيا فشلت عسكرياً، وهذا واضح من خلال العمليات العسكرية على الأرض والاستهداف الروسي للمدنيين إضافة إلى عدم تمكنه من الدخول إلى كييف، مضيفة أن التداعيات كبيرة، ومنها رفع الانفاق المالي الألماني على التسلح بنسبة 2 %، كما أن خروج سويسرا عن الحياد والتفكير بفرض عقوبات على روسيا مؤشر على تداعيات الحرب القائمة.
وشددت على أن أوروبا ما قبل 24 شباط الخالي مختلفة تماماً عما بعد هذا التاريخ، إذ إن التسامح الذي كان قائماً تجاه بوتين في جورجيا وكازاخستان وجزيرة القرم تغير اليوم عبر إعادة التفكير في سياسة أوروبا حيال روسيا وخصوصاً العسكرية، وعلى الرغم من ان أوكرانيا ليست في حلف الشمال الأطلسي، لم يمنع هذا من ارسال أوروبا عتاد ومعدات عسكرية؟
ورأت خضرا أن لا احد قام باستدراج بويتن إلى الحرب مع أوكرانيا، بل هو من أوقع نفسه في الفخ عبر تخطيه للعديد من الخطوط الحمراء في سوريا وبعض البلدان ولم يكن يتوقع هذا الرد من أوروبا، وخصوصاً عزل موسكو عن نظام “سويفت”، حتى أوروبا لم تكن تتوقع الغزو الروسي على هذا الشكل، إلا أن روسيا لم تحترم اتفاق مينسك كما أن تفعيل الأسلحة النووية الروسية من جديد يدل على مدى تصميم بوتين على هذه الحرب، لكنه سيخسر في النهاية لأن المعارك القائمة حالياً كبدت الجيش الروسي خسائر فادحة وثقيلة.
وحول العقوبات التي فرضت على روسيا، اعتبرت انها الأقوى وجديدة من حيث العقوبات عبر معاقبة رجال أعمال روسيين مقربين من بوتين، وتجميد أصول بوتين ووزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف هي الاولى من نوعها على موسكو، وهذا سيؤثر على النفوذ الروسي في المنطقة، فعندما تضعف موسكو أوروبياً حكماً سيكون هناك تداعيات على نفوذها في الشرق الأوسط، كما أن الوعي الأوروبي حيال تصرفات روسيا سينعكس على الملف اللبناني والسوري وسيضعف نظامه وبما أن محور حزب الله حليف لروسيا سيكون هناك إعادة نظر للنظرة الأوروبية حول العديد من الملفات، وسيؤثر إيجاباً على لبنان وخصوصاً في ملف تفجير مرفأ بيروت الذي أظهرت التحقيقات في عملية وصول النترات إلى المرفأ عبر خلق شركات وهمية من خلال رجال أعمال روس وسوريين مقربين من نظام بشار الأسد.
أي عملية نسخ من دون ذكر المصدر تعرض صاحبها للملاحقة القانونية
