#adsense

من‮ «‬نكبة دمشق‮» ‬إلى‮ «‬نكبة سورية‮»!

حجم الخط

كان واحداً من الشعراء المقرر علينا دراستهم في صفّ البكالوريا في قسمها الأوّل أمير الشعراء أحمد شوقي، وكانت القصيدة المقرّرة علينا من «الشوقيات» قصيدته «نكبة دمشق» التي ألقاها في حفل أقيم لإعانة منكوبي سورية فى كانون الثاني 1926، وفي ثورية ذلك العمر كنّا مأخوذين من قصيدته بالبيت الشهير:

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

لا يبدو أن قدر الشعوب العربيّة اختلف كثيراً عمّا كان عليه أيام أحمد شوقي منذ خمس وثمانين عاماً، فالقتل فيهم كأنّه عادة، قد تتبدّل السلطة والأسلحة وتظلّ المعادلة قائمة فيهم بين «قاتل أو مقتول»!!

والباعث الحقيقي على استمرار القتل في صفوف المتظاهرين ليس عدم التعجيل في الإصلاح ـ إن كانت هذه الخرافة التي يطالب بها العالم ممكنة، فالإصلاح بالنسبة للأنظمة الديكتاتورية يساوي نحرها لنفسها بيدها ـ بل في هذا الصمت العربي المخزي، فالساكت عن القتل شريك فيه، فهذا الصمت المعيب الأكثر وحشية من القتل هو الذي يجعل التعنّت الروسي تقوم له قائمة على حساب الدماء، فلا يفكّر حتى في السعي أو الحثّ على وضع حدّ على الأقل لقتل المدنيين واعتقالهم، فالمجرم الحقيقي في هذا المشهد الدموي الذي تعيشه سورية منذ أشهر، هو الصمت والتخاذل العربي ودموية وإجرام النظامين الروسي والصيني، وسبق وتابعنا هذا المشهد في تعنّت مماثل لهما مع بداية المذبحة الليبيّة، كلتاهما ترتكبان جريمة بحقّ شعب عربي تضحيان به على مذبح موطئ القدم الروسي في «طرطوس»، ولكن؟ ماذا لو نفّذ متظاهرو سورية الذين تجاوزوا المليون متظاهر بالأمس التظاهر أمام السفارة الروسية أو الصينيّة؟!

عام 1925 قدّر عدد الضحايا الدمشقيين بحوالى 1416 قتيلاً كان من بينهم 336 من النساء والأطفال، يومها لم يقبل المفوّض السامي الفرنسي ـ ولا يبدو أنّ هناك فرق بينه وبين المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الصينية هونغ لي، ولا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف ـ بوقف إطلاق النار وكانت شروطه إجرامية فإذا ما خرج طلق ناري واحد من أي حي من الأحياء فسيدمر الحي بكامله، وما لم تلبَّ شروطه، فسوف يقوم بقصف ما تبقّى من المدينة وسـ»يذكر العالم بأنه كان هناك يوماً ما مدينة تدعى دمشق»!! أليس ما نشاهده في سورية اليوم «نكبة» تفوق «نكبة دمشق»، ألم يحن بعد موعد الإصلاح المرجو، ألم يقتنع البعض بعدم جدوى الحلّ الأمني، أليس الإصغاء لصوت العقل والحوار أجدى من إراقة الدماء التي توسّع الهوّة يوماً بعد يوم بين الشعب المقتول والحكم القاتل؟!

ليس هناك شوقي اليوم ليعيد رفع الصوت ناصحاً صائحاً:

نَصَحتُ وَنَحنُ مُختَلِفونَ دارًا وَلَكِن كُلُّنا في الهَمِّ شَـــرقُ

وَيَجمَعُنـــا إِذا اختَلَفَت بِلادٌ بَيانٌ غَيرُ مُختَلِفٍ وَنُطـــقُ

وَقَفتُمْ بَينَ مـَوتٍ أَو حَيـاةٍ فَإِن رُمتُمْ نَعيمَ الدَهرِ فَاشْــقَوا

وَلِلأَوطانِ فـي دَمِ كُـلِّ حُرٍّ يَـــدٌ سَلَفَــت وَدَيـــنٌ مُستَحِقُ

وَلا يَبني المَمالِكَ كَالضَحايا وَلا يُدني الحُقوقَ وَلا يُحِــقُ

فَفي القَتلى لِأَجيالٍ حَيــــاةٌ وَفي الأَسرى فِدًى لَهُمُ وَعِتقُ

وَلِلحُـــــرِّيَّةِ الحَمراءِ باب ٌ بِكُــــــلِّ يَدٍ مُضَــــــرَّجَةٍ يُدَقُ

جَزاكُمْ ذو الجَلالِ بَني دِمَشقٍ وَعِزُّ الشَرقِ أَوَّلُـــهُ دِمَشقُ

المصدر:
الشرق

خبر عاجل