
كتب شارل جبور في “المسيرة” – العدد 1726
لم تكن الأزمة اللبنانية يوما أزمة داخلية فقط، إنما العامل الخارجي كان حاضرًا بشكل دائم من خلال حاضنة داخلية، بدءًا من المقاومة الفلسطينية، مرورًا بالجيش السوري، وصولاً إلى «حزب الله» الذي ينفِّذ أجندة إيرانية.
وفي الحالين الأولى والثانية كانت المواجهة مركّبة: مواجهة داخلية بطابع عسكري ضد المقاومة الفلسطينية وطابع سياسي ضد الوجود السوري بعد العام 1990، وسعي لاستجلاب مؤازرة خارجية لإنهاء الكفاح الفلسطيني المسلّح وإخراج الجيش السوري من لبنان، والترابط بين البعدين الداخلي والخارجي عضوي بامتياز لسببين أساسيين:
السبب الأول لأنه لا يمكن إنتظار مساعدة خارجية من دون ملاقاتها داخليًا، فهناك مسؤولية لبنانية بتهيئة المناخات السياسية المطلوبة تمهيدًا لدعم خارجي، وفي حال لم تكن الجهوزية المحلية متوافرة فعبثاً الرهان على الخارج أو على تطورات خارجية تخدم الهدف المنشود، فلم يكن ليصدر القرار 1559 أو ليُنفّذ بالشق المتعلّق بخروج الجيش السوري من لبنان لولا التعبئة الداخلية التي بدأتها بكركي مع بيان مجلس المطارنة الموارنة في أيلول من العام 2000 وتوسعّت مع تأسيس لقاء قرنة شهوان ومدّ خطوط التواصل مع «الحزب التقدمي الاشتراكي» و»اليسار الديموقراطي» وصولاً إلى تيار «المستقبل» واجتماعات البريستول.
ولا يستطيع الخارج مساعدة الشعب اللبناني في حال لا يريد هذا الشعب مساعدة نفسه، ولا يستطيع أي شعب في العالم أن يتكئ على غيره في قضايا تتعلّق بشؤونه مباشرة، إنما عليه أن يرفع لواء قضيته ويدافع عن نفسه وينتظر التوقيت الدولي المناسب للربط والشبك معه، ويجب أن تقلع بعض الشعوب عن نظرية أنه من واجب المجتمع الدولي التدخُّل لاعتبارات ديموقراطية وأخلاقية وحريات سياسية، لأن العالم تغيّر والعواصم الكبرى منشغلة بأمورها ولا تعمل أساسًا عند أحد، والسؤال المركزي الذي طرح لدى الإستنفار الدولي لإخراج الجيش العراقي من الكويت ما زال يصح اليوم وكل يوم: لماذا هبّ العالم لمساعدة الكويت لإخراج جيش صدام حسين ولم يهبّ لمساعدة لبنان لإخراج جيش حافظ الأسد؟
فعلى اللبنانيين إقناع العالم بالأسباب الموجبة لمساعدتهم ودعمهم ومؤازرتهم، وهذا الدعم لا يتحقق على طبق من ذهب، إنما يتطلب نضالات ومواجهات وتحضيرات وتعبئة وتجييش وحضور، وبالتالي المسؤولية اللبنانية أساسية وجوهرية ومقولة «عند تغيير الدول إحفظ رأسك» غير صحيحة أو تُفسّر بشكل خاطئ، لأن الفارق كبير جدًا بين حفظ الرأس، أي عدم الإنتحار، وبين إلغاء الرأس كليًا، أي دفن الرأس في الرمال.
فلو لم تنوجد المقاومة اللبنانية لكان تحوّل لبنان إلى الوطن البديل أو محافظة سورية، والمقولة الصحيحة التي يجب أن تنطلق منها كل الشعوب «ما بحك جلدك إلا ظفرك»، وبالتالي الإرادة الداخلية بالنضال والتغيير أساسية وتشكل المدخل لاستجلاب التدخل الدولي الذي يجب أن يستند إلى مطالبات داخلية وأسباب سياسية موجبة، فلماذا يتدخل المجتمع الدولي مثلاً لرفع الإحتلال السوري عن لبنان إذا كان هذا الإحتلال يحظى برضى لبناني؟
السبب الثاني للترابط البنيوي بين البعدين الداخلي والخارجي مرده إلى استحالة حسم عوامل خارجية بأدوات محلية حصرًا، فالصراع في لبنان لم يكن يومًا من طبيعة لبنانية – لبنانية فقط، إنما للعامل الخارجي حصة أساسية بدءًا من الثورة الفلسطينية التي كانت دولة في قلب الدولة اللبنانية، مرورًا بالجيش السوري الذي كان يقبض على كامل القرار السياسي اللبناني، وصولاً إلى إيران التي تخطف قرار الدولة الاستراتيجي من خلال ذراعها العسكري والأمني والسياسي «حزب الله»؟
فهل كان بالإمكان إنهاء الثورة الفلسطينية عن طريق مواجهة عسكرية محلية فقط؟ بالتأكيد كلا. وهل كان بالإمكان إخراج الجيش السوري من خلال النضال الداخلي السلمي فقط؟ بالتأكيد كلا. وهل بالإمكان رفع الإحتلال الإيراني عن لبنان عن طريق معارضة داخلية فقط؟ بالتأكيد كلا، لأن المشكلة مع «حزب الله» ليست على صلاحيات أو قانون انتخاب أو تعيينات، إنما مشكلة إصراره على الإحتفاظ بسلاحه، وهو سلاح إيراني وتنفيذاً للأجندة الإيرانية التوسعية.
ومن هنا لا قيمة ولا جدوى لأي حوار مع «حزب الله» لأن قرار احتفاظه بسلاحه أو عدمه هو قرار إيراني بامتياز، وإذا كانت طهران لا تتدخل في سياسات الحزب اللبنانية من حكومة ومجلس نواب وغيرهما، إلا أن الحزب لا يستطيع أن يتصرّف بالشق العسكري المرتبط بطهران مباشرة، وبالتالي ما ينطبق على الثورة الفلسطينية والجيش السوري ينسحب على الذراع الإيرانية «حزب الله».
فللداخل وظيفته وللخارج أيضًا، وكما لا يستطيع الخارج أن يأخذ دور الداخل، لا يستطيع الداخل أن يأخذ دور الخارج، وجلّ ما هو مطلوب من الداخل أن يواصل ربط النزاع مع «حزب الله» ويؤكد باستمرار على ثلاث لاءات أساسية: لا يمكن قيام دولة في لبنان في ظل سلاح «حزب الله»؛ لا يمكن إنهاء سلاح الحزب بحوار لبناني – لبناني لأن قرار السلاح بيد إيران؛ لا يمكن أن تتجنّب أي دولة قريبة أو بعيدة شرّ هذا السلاح لأن ضرره، كما أثبتت الأحداث والوقائع، يتجاوز الحدود اللبنانية ويشكل عامل عدم إستقرار إقليمي وخطرًا على المستوى الدولي.
وهنا بالذات تكمن أهمية رفع عنوان الإحتلال الإيراني، وكل ما هو هذا العنوان غير مرفوع فإن الرابح هو «حزب الله»، وتأكيدًا على ذلك ما قاله الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بعد زيارته للبنان على أثر إنفجار المرفأ وإدارته لطاولة حوار لبنانية عندما سُئل كيف تقبل أن تحاور حزبًا إرهابيًا؟ فأجاب: هو إرهابي بالمفهوم الدولي، ولكن بالمقياس اللبناني له تمثيله وحيثيته الشعبية والسياسية.
فالمستفيد الأول من وضع إشكالية «حزب الله» ضمن الحيّز اللبناني إيران والحزب، لأن الأخير يتلطى بتمثيله للتغطية على دوره الإيراني، ولذلك، يجب كشف هذا الدور والتركيز على هذا الدور وإهمال الشق المتعلِّق بتمثيله، لأن الإشكالية التي تحول دون قيام الدولة ليست لبنانية إنما إيرانية، ومن بعد أن يُصار إلى حسم الإشكالية الإيرانية بكفّ يد طهران ومنعها من التدخل بالشأن اللبناني وإلزامها تسليم سلاح «حزب الله»، يتم الإنتقال الى بحث ما إذا كان هناك من إشكالية داخلية.
فرفع عنوان الإحتلال الإيراني هو أكثر من ضرورة لخلاص لبنان وقيام الدولة، والتركيز حصرًا على «حزب الله» يخدم إيران والحزب، فالأزمة اللبنانية سببها إيران وعلى المجتمع الدولي أن يستجيب لنداءات اللبنانيين بكفّ يد الإحتلال الإيراني، لأن كفّ يده ينقذ لبنان وينقذ المنطقة والعالم من الدور الإيراني المزعزع للإستقرار.
شارل جبور – رئيس جهاز الإعلام والتواصل في “القوات اللبنانية”
للإشتراك في “المسيرة” Online:
http://www.almassira.com/subscription/signup/index
from Australia: 0415311113 or: [email protected]