غريبة الدعوة الراهنة الى استئناف الحوار الوطني، وفيها شبهة العودة الى المناورة الامتصاصية الأولى من خلال ذلك الطقس الذي قال اللبنانيون انه بديلهم الوحيد من "التحاور" في الشارع.
في بداياته، انطلق الممانعون اليه بزخم وعلى أرفع المستويات… وتبين بعد لأي وتعب وضنى ان حبر مقرراته التي وافقوا عليها كان أبقى على الورق من تأثيره في المناخ الوطني (والمذهبي) العام، لكنهم نجحوا في جعله إطاراً استيعابياً وامتصاصياً لموجة سيادية عالية ما كان بالإمكان صدّها لا بالهيّن ولا بالصعب.
شارك هؤلاء وصدّقوا ووقّعوا وبصموا على مقرراته، وفي البال والمضمر إبقاؤها في مكانها وحيث هي. وأن لا تترجم في أي من بنودها، وهكذا كان. مكّنتهم تلك اللعبة من التدرّج نقلة نقلة باتجاه إعادة لمّ الصفوف ووقف الهدير الاستقلالي عند حدود معينة. وفي اللحظة المناسبة تم التنصل من كل ما كانوا تعهدوا به وصولاً الى قضية المحكمة والسعي الى العدالة.
كانت تلك الموجة السيادية أعلى من كل محاولات صدّها، لكن أمكن امتصاص زخمها من خلال تلك المناورات الخلاصية المسماة طاولة الحوار: جاء السياديون اليها، وفي بيانهم أن لا شيء يمشي قسراً وقهراً في لبنان. ولا شيء سيمنع الوصول الى إجماع حول مسلّمات تفيد جميع اللبنانيين وليس البعض منهم. ولا شيء، بعد انتهاء الوصاية المباشرة، يمنع أو يفترض ان يمنع العودة الى اختبار منطق البداهة الأولى والمعنى الأول للكيان الوطني اللبناني. بداهة اللقاء والاجتماع والتحاور وصولاً الى تكريس تعايش لا مناص منه ولا مهرب ولا حل لتنوعه وتعدده!
.. وجاء إليه الممانعون وفي اليد بيان، وفي النيّة بيان آخر! والطريق عندهم كانت باتجاه واحد. وحدهم الأغرار وأهل النيّات الطيبات، والأبرياء والأصفياء ظنوا ان تلك الطريق باتجاهين حُكماً ومنطقاً، قبل أن يفطنوا الى مطبّاتها وحُفرها وألغامها الكثيرة: لم يمنع الحوار دبيب مشروع الانقلاب باتجاه أهدافه، ولم يمنع استخدام السلاح في كل مرة علقت الناس في زوايا مواقفها. ولم يمنع إلغاء مقررات الدوحة، ولا إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية العامة، ولا تعطيل كل ما لا يريد الممانعون ان يسير، ولا إسقاط الحكومة بعد أن أسقطوا كل عملها بواسطة الثلث المعطّل. ولم يمنع ذلك الحوار أصلاً أي انتهاك لأي معطى قانوني أو دستوري محلي أو خارجي لا يتناسب أو يتناسق مع مشروع الممانعة العابر للحدود!
ثم تأتي الدعوة الراهنة لاستئنافه لمحاولة "تلحيف" الانقلاب بغطاء فيه شيء من الشرعية.. غريبة المحاولة، والأغرب توقع الدخول فيها من جديد!