بسهولة يمكن لأي مراقب أن يقول، بعد سماعه خطاب رئيس “تيّار العهد”، إنه فعلاً مُصاب بعمى الألوان السياسية والوطنية. رأى أن “14 آذار 1989” (ويقصد ما سُمّي حرب التحرير من عمّه ميشال عون ضد الجيش السوري آنذاك)، هي الأصلية ولا تزال حية، بينما 14 آذار 2005 المعروفة بانتفاضة الاستقلال وثورة الأرز طارئة، وقد ماتت ودُفنت.
في الواقع، دفن عون ووكيل تيّاره كل معاني “حرب التحرير” وشعاراتها، بفعل انقلابهما عليها حين التحقا برمز الاحتلال السوري بشار الأسد سياسياً وواقعياً، وبمن أكمل احتلال لبنان أي “حزب اللّه” تحت راية “ولاية الفقيه”، طمعاً بثنائية السلطة والمال، وقد تجاهلا كلّياً شهداء الجيش وأسراه مع سائر المفقودين والمخفيين قسراً في السجون السورية خلال زحفهما المتكرر إلى دمشق وبراد، ولا يزالان.
والحقيقة أن “حرب ١٩٨٩” ليست هي من حرّر لبنان، بل هي التي دمّرته وفتحت الباب أمام الاجتياح السوري للمناطق الحرة، وأباحت القصر الجمهوري ووزارة الدفاع للاحتلال، وقتلت أو هجّرت الآلاف من الأحرار اللبنانيين، بينما من حرّر لبنان فعلاً هي ثورة الأرز 2005 بتضامن ورعاية من المجتمع الدولي عبر القرار الأممي ١٥٥٩ واستشهاد الرئيس رفيق الحريري والمواقف الوطنية التاريخية للبطريرك الراحل مار نصراللّه بطرس صفير.
وما يؤكد العمى الوطني والسياسي هو أن “الوريث” لا يأتي على ذكر ضدّ من كانت حرب عمّه “التحريرية” وكأنها كانت ضد أشباح، لا هوية لها ولا هدف، وبذلك يؤكّد عمق تبعيته لما يُعرف اليوم ب”محور الممانعة والمقاومة” الذي يستبيح سيادة لبنان ويرهن شرعيته.
أمّا تغنّيه بسقوط “١٤ آذار ٢٠٠٥” فهو من باب التمنّي وليس من باب الواقع. فصحيح أن القوى السياسية لثورة الأرز تفرقت لأسباب شتّى أبرزها سوء إدارتها وتضارب مصالح أفرقائها، وإنهاكها باغتيال قيادات منها، لكنها باقية ومستمرة في جوهرها وأهدافها، وهي التي في عمقها ألهمت ثورة ١٧ تشرين وأي انتفاصة وطنية وسياسية حصلت أو ستحصل. والاستحقاق الانتخابي المقبل سيثبت أنها حيّة، ولو تغير بعض قادتها، وذلك لأن قاعدتها الشعبية لا تزال متفاعلة برغم كل محاولات تيئيسها من داخلها أو من خارجها.
أمّا القول بأن “حرب 1989” بقيت ولا تزال موجودة فإنه ليس سوى لإيهام المصفقين، فهي مجرد رقم في الماضي البائد ليس لها أي معنى، ويتم استذكارها بشكل فولكلوري لا مضمون لها، وقد تمّ دفنها منذ العام 2005، بتجهيلها والخجل من الإشارة، ولو العابرة، إلى أنها كانت ضد الاحتلال السوري. وهذا إثبات جديد لمدى تهافت خطاب هذا الغارق تحت ركام سياسته المنحرفة وخطاياه الوطنية، مع ظهور ديماغوجيته بشكل فاقع، في كل مناسبة إنتخابية وفرصة إنتهاز شعبوي.
ويبقى أن الإدّعاء بنظافة الكف والعفة من المكاسب الصفقات، فجوابه عند الناس، وما ترى وتسمع وتلمس وتشمّ… من تكديس الثروات وروائح الصفقات.
ديماغوجية “حرب التحرير” والإصلاح
المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية