#dfp #adsense

هل تحتل إيران لبنان؟

حجم الخط

كتبت د. منى فياض في “المسيرة” – العدد 1726

لقد غطت إيران عداءها بخبث، باستغلالها قضية فلسطين. سلّحت مجموعة لبنانية أعدّتها منذ قيام الثورة الإسلامية وأسمتها حزب الله، الذي سرعان ما احتكر «المقاومة»، بعد اغتيال رموز فكرية شيعية وقيادات من المقاومة الوطنية. احتكروا تحرير الجنوب وفلسطين كمهنة لهم. وهذا كان أول مسمار في نعش نزاهتهم. المقاومة لا تُحتكر.

حتى عندما هبّوا للدفاع عن النظام السوري الذي حمى الحدود الإسرائيلية لمدة 40 عاماً، رفعوا شعار فلسطين، وقرّر السيد نصرالله أن طريق القدس تمر من القصير وحلب وحمص وغيرها. سبق كل ذلك إعادة توجيه «السلاح المقاوم»من إسرائيل الى صدور اللبنانيين منذ 2008، وصولاً الى قمع ثورة 17 أوكتوبر وتحت شعارات مذهبية: شيعة شيعة. وآخر تمرين لهتّافي الفتنة الطائفية كان في عين الرمانة.

الملفت أنهم بعد أن استنكروا طويلاً ربطهم بإيران، اعترف السيد نصرالله، في معرض المزايدة على الشعب اللبناني ومناكدته، أن ماله وأكله وشربه وصواريخه، التي تتكاثر تحت أنف الشرعية الوطنية والدولية وقراراتها، من إيران التي يخدمها. وأنه سيكون بخير طالما إيران بخير. لقد استخدم لبنان كقاعدة إنطلاق ليحارب عنها ويوسع نفوذها؛ ولم يُخْفِ يوماً أنه يخطط لتغيير هوية لبنان وجعله دولة إسلامية خاضعة لنفوذ إيران.

هذا الحزب، بهذه المواصفات ينفي هيمنته على القرار السياسي. هو فقط يعطّل الحكومة وقراراتها، ولطالما عطّلها. أما التداعيات الكارثية الناتجة، فليست مشكلته.

وللدقة، إن أول من استخدم كلمة «إحتلال» لوصف واقع الحال، هم المسؤولون الإيرانيون أنفسهم، في تصريحاتهم المشهودة بأنهم «يحتلون» أربع عواصم عربية!! لم نسمع من الحزب وممن يرفض كلمة «إحتلال إيراني» أي إعتراض حينها!! بل ورحبوا بتصريح قاسم سليماني قبل مقتله بأن له 74 نائباً في البرلمان اللبناني؟

فهل تحتل إيران لبنان؟ البعض ينفي ويحلف أنها لم تدعس الكرم.

نقل طاهر أميري عن صحيفة إيرانية، إعتبار دوائر السلطة هناك، أن قرار إنشاء جبهة المقاومة كان أفضل إستثمار حققته إيران. وينقل أنهم يدربون أعداداً من مقاتلي «حزب الله» اللبناني على التحدث بالفارسية بُغية الإنتشار الداخلي المحتمل، عند الحاجة، لحماية النظام من الثورات داخل إيران. ويرى الباحث رضا محمدي أن خامنئي يُعدّ «حزب الله» كالحرس الإمبراطوري المستعد للقتل والموت من أجله حتى لو تخلّى عنه الحرس الثوري و»الباسيج».

قد تكون هذه مبالغات، لكن طالما جاء على لسان المسؤولين الإيرانيين، أنهم دون «جبهة المقاومة» لن تكون هناك إيران!!

السؤال يوجّه لمن يرفض أن إيران تحتل لبنان، بحجة عدم وجود جيش إيراني: لو إن إيران قرنت القول بالفعل وأرسلت جيشها لتحتل لبنان هل سيقاومها «حزب الله»؟

ثم ما الدافع كي تتكبّد إرسال جيشها ليحتل لبنان بوجود من يقوم عنها بذلك؟ لقد أرسلت خبراء ومستشارين داخل حدودنا الفالتة لتدريب مقاتلين تابعين لها يأتمرون بأوامرها!! ما يعفيها من تحمّل أي كلفة لتبعات الإحتلال، وأي مسؤولية عن إفلاس الدولة وانهيارها.

بماذا تختلف مفاعيل أعمال «حزب الله» عن الإحتلال؟ وهل كون القائمين به شيعة لبنانيون، يمنعنا من تسمية الفعل باسمه؟ لماذ؟ لأن التخلّص من الإحتلال سيعني التخلّص منهم أيضاً كأفراد؟ أي طردهم؟ فهل طُرِدَ الفرنسيون الذين تعاونوا مع الإحتلال الألماني بعد دحره؟

يقترح علينا البعض أن لبنان بلد مخطوف! فليشرح لنا أحد معنى دولة مخطوفة؟ وهل الخطف أقل جرمية من الإحتلال؟ وماذا يترتب قانونياً وتشريعياً على فعل الخطف غير المسبوق بين الدول؟ أي عقاب سنطبق على الخاطف، دولة أو حزب، ذلك المتبع بحق الأفراد؟ وهل جرم الخطف أخف وطأة من جرم الإحتلال؟ ألا يمكن للخاطف أن يقتل رهينته؟ أليس ما يحصل للشعب اللبناني نوع من القتل الجماعي؟

وكيف يقرأ المعترضون على كلمة إحتلال تصريح الشيخ نعيم قاسم الفخور بلبنان الذي نعيشه: إن المقاومة في لبنان «ثابتة» (عكس متحوّلة)، مهددًا الشعب اللبناني: «من أراد التحق بنا ‏ومن لم يرد فليبحث عن حل آخر». هل يعني إرحلوا عن البلد؟ وللصدفة عنونت جريدة «الشرق الأوسط» في نفس اليوم أن «ميليشيات إيران تقول للسوريين: الولاء… أو الرحيل!!».

وأخيراً فليخبرنا رافضوا الإحتلال من وضعه أفضل، الفلسطيني الذي تحتله إسرائيل أم اللبناني الحر في بلد «المقاومة»؟ هل يتنعّم السوري «بحماية» حكوماته؟ أليس النظام من جلب الإحتلالات وجيوشها الى سوريا للإحتفاظ بالسلطة؟ هل نضيف لقاموسنا: إحتلال بالواسطة؟

إن الحريصين على استخدام المفاهيم والتعابير الدقيقة، الذين يستشهدون بأنظمة لاهاي لعام 1907 واتفاقية جنيف الرابعة التي تحدد معنى إحتلال، وكلها صيغت في مطلع القرن الماضي وفي سياق الحروب الكلاسيكية بجيوشها ومعاركها واجتياحاتها واحتلالاتها، ربما عليهم، وعلى الأمم المتحدة، إعادة التفكير بالمصطلحات الجامدة التي لم تعد ملائمة: ففي مرحلة الثورة الرقمية وحقبة الذكاء الإصطناعي والحروب السيبرانية في عالم إفتراضي، فقدت تلك التعريفات والتشريعات قدرتها على الإستجابة للتحديات المستجدة في عالم متغيّر بسرعات غير مسبوقة، بسبب الثورة المعرفية والقفزات التي تحملها التقنيات الحديثة مع ثورة المعلومات التي لا تنتهي مع النانو ولا مع ما ينتظرنا من إختراعات وادي السيليكون فالي…

لقد تغيّرت النشاطات الحربية والعسكرية وتغيّرت وظيفة الجيوش وصارت تعتمد تقنيات الذكاء الإصطناعي الرقمية. الحرب تُمارس عن بعد، لن تضطر الجيوش بعد الآن الى إحتلال واجتياح البلدان بجيوشها الجرارة ولو أنها تمتلكها. يكفي تعطيل قدرات العدو باستخدام لوغاريتمات وبرمجيات ودرونز لتفجير منشآت أو لتفجير البشر المقصودين. وما زلنا نسمي الحرب، حرباً!!

نصحنا فوكو في كتابه «الكلمات والأشياء» أن لا نثق بالكلمات لأنها تخدعنا، فهي لا تصف الأشياء دائمًا، فاللغة في زمن آخر، لا تعود مبنية على الكلمة الأولى التي تم تأسيسها من خلالها. لنأخذ كلمة دولة نفسها، أي علاقة للدولة الوطنية الحديثة بالدولة العباسية؟ أو البويهية؟ أو دولة القرامطة؟

لماذا لا تقبلون إذن بتغيّر شكل الإحتلال؟

فلرافضي كلمة إحتلال، خذونا بحلمكم، مشكلتكم في التمسك بمفاهيم لم تعد تتلاءم مع الواقع المستجد.

الجمود الفكري هو أحد أسباب الإنحطاط، وأحد نتائجه.

د. منى فياض – أكاديمية وكاتبة

 

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل