إذا نجح رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان في توفير النصاب لعقد الجلسة المقبلة لطاولة الحوار في قصر بعبدا ستحمل الرقم 13 في تاريخ الجلسات التي عقدت فيه منذ انتخاب الرئيس التوافقي للجمهورية في 25 أيار 2007. علماً انّ جلسات الحوار انتقلت الى القصر الجمهوري واستأنفت أعمالها في السادس عشر من ايلول العام 2007 بحلّة جديدة استندت في أهدافها ومراميها الى ما آلت اليه طاولة التشاور التي أدارها رئيس المجلس النيابي نبيه برّي في ساحة النجمة منذ 2 آذار 2006، والتي عقدت آخر اجتماعاتها في 29 حزيران من العام نفسه، وقبل ان تطير الجلسة التي كانت مقرّرة في 19 تموز من العام نفسه تحت وطأة الغارات الإسرائيلية التي كانت تدمّر مناطق عدّة من لبنان في اليوم السابع على بدء الحرب الإسرائيلية السادسة على لبنان في 12 منه.
لا يختلف اثنان في تقديم هذه الخلفيّات التي شكّلتها الهيئة، فقد تحوّلت لقاءاتها وسيلة من وسائل مواجهة التشنّج السنّي – الشيعي في البلاد، وشكّلت أداة قوية بيد الرئيس سليمان لتنفيس الاحتقان في الشارع ونقل الحوار منه الى الطاولة. فشكّلت مسرحا لعرض أوراق العمل الخاصة بالاستراتيجية الدفاعية وملفّات أخرى كان يتناولها كلّ لقاء كالأوراق الواردة في بدايات الجلسات التشريعية أو على هامشها من دون أن يتمّ التوافق على إدراجها في جدول الأعمال.
على هذه الشاكلة استمرّت اعمال جلسات طاولة الحوار بمختلف حلقاتها الإثني عشريّة، واستمدّت أهميتها ودورها من حاجات عدّة أبرزها:
– حاجة الشارع المتشنّج في أعقاب محطات أساسية من الحروب الصغيرة التي عاشها لبنان بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري وانسحاب الجيش السوري من لبنان. وتحديدا بعد حربي نهر البارد وتموز 2006، إضافةً الى سلسلة الحروب التي شهدتها بيروت ومناطق الجبل والشمال والبقاع والجبل ما بين 7 أيار و23 منه من العام 2007 وصولا الى أحداث برج ابي حيدر وما بينهما ما يتصل بتداعيات المحكمة الخاصة بلبنان.
كلّها محطات وجدت طاولة الحوار خاتمة لها، مدعومة بالوساطات العربية والتركية-القطرية، فتحوّلت مسرحا لتبادل التنازلات واستيعاب التردّدات من دون أيّ حلول جذرية في ظلّ توازن هشّ للقوى. ولذلك لم يكن لها أيّ دور فاعل سوى أنّها أرجأت حروبا، وحاصرت تمدّدها وكلّ ما كان يمكن ان يكون أسوأ ممّا حصل.
– حاجة الرئيس التوافقي ميشال سليمان الى من يدعم خطوات عهده باحثا عن السلم الداخلي ومنع حصول الفتنة. وليعزز دوره التوافقي قدر الإمكان، فكانت إحدى الوسائل التي لجأ اليها رؤساء كثر من قبل، منذ أيام الرئيس الياس سركيس الى أيام الرئيس امين الجميّل لتمرير المراحل وتطويق الأزمات وإدارتها او تأجيلها في أسوا الأحوال بأقلّ كلفة ممكنة.
– حماية الحكومات التي تشكّلت في نهاية عهد الرئيس إميل لحّود وفي بدايات عهد الرئيس سليمان من الانهيار وشلّ الحكم في البلاد. فقد كانت هذه الحكومات بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري مهدّدة بالانهيار بين لحظة وأخرى، وباتت في كلّ فترة عرضة للسقوط نتيجة تحوّلها مجلسا رئاسيّا يتمتع بعض وزرائها بحقّ الفيتو. فتعطّلت فيها كلّ أشكال القرارات الحاسمة، وباتت ساحة للمناكفات الداخلية التي تبخّرت من خلالها قدرات الأكثرية النيابية التي ولدت في انتخابات 2005 و 2009 والتي منعها الثنائي الشيعي من أن تحكم وحيدة، بعدما أمسكا بمنطق "ميثاقيّتها" منذ 11 / 11 / 2005 تاريخ استقالة الوزراء الشيعة منها. وما قبل 7 أيار وما بعده وصولا إلى المرحلة التي وضع فيها هذا الثنائي يده على الأكثرية الجديدة في 25 كانون الثاني الفائت.
– حاجة أيّ طرف الى مخرج ينقذه من المأزق الذي وقع فيه، فلجأ إليها الأطراف كافّة كلّ في زمن محنته، وتردّد في اللجوء إليها في "لحظات الانتصار"، فكانت في معظم مقرّراتها مناسبة للتكاذب على اللبنانيين بالإشارة الدائمة الى حماية مصالحهم وأمنهم ولقمة العيش.
وعلى هذه القواعد التأمت طاولة الحوار في 12 جلسة حتى الأمس القريب وتحديدا في آخر جلسة لها في 4 تشرين الثاني من العام الفائت. وللحقيقة الساطعة التي لا تقبل أيّ جدل، لم توفر هذه الطاولة أيّ صيغة نهائية للاستراتيجية الدفاعية التي قيل إنها البند الوحيد على جدول أعمالها منذ إنشائها تلبية لدعوة أطلقها الأمين العام لحزب الله في دعوته إلى استراتيجية دفاعيّة تحدّد مصير السلاح، عِلما أنّ تلك الدعوة كانت تحمل وجها آخر لم تعترف به قوى 14 آذار. فالدعوة التي وجّهها الأمين العام لحزب الله الى وضع هذه الاستراتيجية ولاقاه فيها الرئيس نبيه برّي بدعوته الى أولى الجلسات في 2 آذار من العام 2006، كانت لتسويق سلاح المقاومة وتنظيمه بما يخدم "قوة لبنان ومنعته" وسعيا إلى تنظيم نظريّة توازن الرعب مع إسرائيل بعد حرب تموز.
إنساقت الأكثرية إلى هذه الطاولة، وحضر إليها الأمين العام للحزب شخصيّا قبل حرب تموز، وآلت إلى رئيس كتلة الوفاء للمقاومة محمد رعد من بعده، ولجأ اليها الرئيس ميشال سليمان سعيا وراء التوفيق بين سلّة متناقضات وإمرار الوقت وتجاوز الأزمات. باختصار أقبلت عليها كلّ الأطراف من كلّ الفئات، كلّ لسبب في نفس يعقوب. لكن المتابعين لسير العملية من بداياتها لم يعثروا على أيّ إنجاز أو على أيّ طرح جدّي كان قابلا للتنفيذ.
فالاستراتيجية الدفاعية قيل فيها الكثير، وخصّصت جلسات لأقطاب الطاولة لتعرض فيها لأوراق عملها التي حملت من التجارب الكونيّة للمقاومة والاحتلال من مختلف أصقاع الأرض من فيتنام الى الكوريتين الى التجربة السويسريّة الى الفرنسية منها، ولكن بشكل مجتزأ، وكأنّ المقصود تمرير الوقت ليس إلّا.
فالجميع كان يدرك أنّ طرح عنوان الاستراتيجية استدرج الجميع الى حيث لا يمكن التفاهم على صيغة واحدة. فلبنان الذي سجّل انقسامات مماثلة حول اتفاقية القاهرة، ومن بعدها حول السعي الى استراتيجية عربية موحّدة لدول الطوق حول إسرائيل تحديدا، الى اتّفاق الطائف، ومن بعده الى تفاهمات دمشقيّة متعددة، الى الدوحة، ومنها إلى الـ"سين سين" ضاعت فيها أهمّية هذه الاستراتيجية ومآربها.
ويعرف العارفون أنّ هناك من قاد هذه الطاولة لتكون منتدى سياسيّا أو ندوة دستوريّة. فباتت إحدى الجلسات لتقديم بحث في "العمالة للعدوّ" وأخرى للتنظير في "فنون المقاومة" ونصرة غزّة دون الضفة الغربية، ولو أدّت الى الانتحار الجماعي، وصولا إلى " فشل الشرعيّة الدولية في إيجاد حلّ للصراع مع الكيان الصهيوني وعدم تمكّنها من تنفيذ القرارات الدولية التى اتّخذتها هذه الشرعية بصدد لبنان والقضية العربية، إلى "اتّفاقيات الهدنة العربية" التي سلّمت بـ"الوجود الإسرائيلي المزعوم"، إلى أن بلغت في جلساتها الثلاثة الأخيرة الى مناسبة للبحث في المحكمة الخاصة بلبنان وشهود الزور، وكادت تناقش ملفّ زيادة الأجور وكيفية إنقاذ موسم الاصطياف وصولا إلى التعيينات الإدارية…
والجميع يعرف انّ الطاولة التي قامت من اجل البحث في مصير السلاح غير الشرعي اللبناني وغير اللبناني، وإنهاء البؤر الخارجة على سلطة الدولة على طول الحدود اللبنانية – السورية لم توفر إنجازا في أيّ منها. وفي النتيجة بقيت هذه الملفّات أهدافا بعيدة المنال على رغم القرارات التي اتّخذت بشأنها في دقائق معدودة فتجمّدت "حبرا على ورق"، بل على العكس، فهناك من وفّر الكثير من الذرائع من أجل وقف تنفيذ هذه القرارات وأعطى تفسيرات من شأنها أن تقلب النتائج المرجوّة رأسا على عقب، فبات من يطالب بها كمَن ينكأ الجراح ويهدف الى الفتنة أو أنه مكلّف بدور إسرائيلي وأميركي مشبوه.
وبالاستناد الى ما تقدّم، فكيف ستوجّه الدعوة هذه المرّة الى إحياء هذه الطاولة؟ وما هي أهداف رئيس الجمهورية، وما الذي يريده من الخطوة المقبلة التي يمكن أن يلجأ اليها؟ وهل ستبقى الأهداف المرسومة لها هي نفسها؟ وهل ستبقى الاستراتيجية الدفاعية هي العنوان الوحيد التي سيظلّل عملها في المرحلة المقبلة؟
الجميع، من مناصري الخطوة ورافضيها، لا يمتلكون أيّة أجوبة على سيل من هذه الأسئلة أو ما يشبهها. لكنّ الأمر منوط بما سيطرحه رئيس الجمهورية، فالحديث عن الاستراتيجية الدفاعية بات برأي الثنائي الشيعي ومعهما العماد ميشال عون من الماضي، وإنّ الحديث عن استراتيجية من هذا النوع غير قابل للبحث. فالعرض الاستراتيجي لسلوكيات حزب الله التي تحدّث فيها السيّد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله في 19 نيسان 2006 في ساحة النجمة يجري تطبيقها في الجنوب وبيروت والبقاع وجرود صنين وصولا الى طرابلس ومنها الى لاسا في جرود جبيل.
وخِتاما، لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الأمور بمختلف وجوهها لم تعد في إطارها الذي كان قائما عند الدعوة الى هذه الطاولة. وما على الساعين اليها إلّا التفكير مليّا بملف يمكن مناقشته. فمعظم القضايا الكبرى برأي الأكثرية الجديدة يمكن البتّ بها في مجلس وزراء من لون واحد. في وقت لا ترى الأقلية الجديدة فائدة من تضييع المزيد من الوقت، فهمّها إسقاط الحكومة ووقف كلّ أشكال الانقلاب بأسرع وقت ممكن. وما على الرئيس التوافقي ومعه الوسطيّون الجدد سوى البحث عن مخارج وابتداع أفكار جديدة لتمرير الوقت، إلى أن تأتي الظروف بما يمكن تنفيذه، فيشكّل مخرجا للمأزق القائم في البلاد…