#dfp #adsense

بين “حزب الله” وسويسرا الشرق… فتشوا عن ولاية الفقيه

حجم الخط

كتب سيمون سمعان في “المسيرة” – العدد 1726

غالبًا ما وقَعَت مسألة البحث والنقاش في حجم الكلفة الإقتصادية للسيطرة الإيرانية على لبنان، في سجال القدرة على تحديدها من عدمها، وذلك نظرًا لتشعّب القنوات وتعدد المستويات التي تحكمها وتتحكّم بها. ويعتبر باحثون إقتصاديون أن جمع أرقام كل التأثيرات الناجمة عن تلك السيطرة وتحديد ما إذا كانت فعلاً ناجمة عنها، أمر بالغ التعقيد ولا يمكن الوصول معه إلى حاصل علمي. في المقابل يؤكّد آخرون أن العملية ليست بالتعقيد المحكى عنه، بل يمكن تقسيم المراحل والقطاعات وتحليلها وتحديد النتائج. ويعتبرون أن مثل هكذا عملية كافية لتحديد حجم التأثيرات أصغيرةً كانت أم متوسطة أم كبيرة، ولا حاجة في هذا الصدد للوصول إلى رقم معيّن ودقيق. ففي نظرهم مثل هكذا بحث هو لتحديد التأثيرات بالمعنى السياسي والوطني وليس بالرقم الحسابي. ومن هنا تبدأ عملية البحث لتحديد التأثيرات نوعًا ومن ثم حجمًا وصولاً إلى انعكاساتها على الوضع العام فلا تبقى أسباب الإنهيار ملقاة على الضفاف، فيما النهر يجري غير عابئ بها!

يعلم الجميع مدى العز والترف والبحبوحة التي عاشها لبنان منذ الإستقلال إلى أن اندلعت حرب العام 1975. قضى ذلك على النجم الساطع والحلم الوردي. لكنه، وعلى الرغم من قساوة الحرب، لم يقضِ على روح الدولة العميقة والمفهوم التقليدي للإدارة المالية والمصرفية والإقتصادية للبلد، بدليل أن الليرة حافظت على متانتها والمصارف واكبت الحداثة وتوسّعت وزاد إحتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، ولا حاجة للحديث عن الذهب، الباقي الوحيد إلى اليوم سندًا لما تبقّى من دولة وشاهدًا ثابتًا على زمن العز.

وكون منظمة التحرير الفلسطينية كانت دولة داخل الدولة ومهيمنة على سيادتها، قوّض العديد من المؤسسات، عدا عمّا تسبّب به من حرب دمّرت الحجر والبشر، إلا أن المنظمة كانت عامل إستقطاب للعملات الصعبة إلى لبنان من الدول الداعمة لها. وفي المقابل كان لبنان حضن العرب وقبلتهم وباب الغرب إلى الشرق، ما أمّن له القدرة على الإستمرار والصمود.

 

ثلاث مراحل إلى جهنّم

عصر لبنان الذهبي ذاك بدأ بالأفول منذ العام 1975 وربما منذ الـ73 أو الـ69 بعد التخلي عن السيادة الوطنية بموجب إتفاقية القاهرة. وما كان من الحرب المدمّرة إلا أن زادته صعوبة وتراجعًا. لكنّ ثمة نبضًا ظل حيًّا في عروق المؤسسات على رغم النزف والألم. ويعلم الجميع، ولو أنكر البعض، أن السنوات الست أو الثماني الماضية، أي فترة الفراغ الرئاسي معطوفة على عهد الرئيس عون، هي الأسوأ في تاريخ لبنان الإقتصادي. ومن هنا تنشأ منطلقات البحث.

إستنادًا إلى هذا الواقع، يمكن تقسيم مراحل الإنحدار الإقتصادي بنتيجة السيطرة الإيرانية على لبنان، إلى ثلاث. وقبل تعدادها لا بد من الإشارة إلى أن تلك السيطرة لم تتم كاملة عبر «حزب الله» وحده بل عبر حلفائه وداعميه، وإلا لما تمكّن من دون تلك العكازات والمفاتيح من دخول كل مفاصل الدولة وتقويضها. أما المراحل الثلاث فهي: مرحلة ما قبل العام 2005 وكانت تأثيراتها الإقتصادية ضعيفة وغير مباشرة، إذ لم يكن الحزب قد أحكم قبضته على المؤسسات بوجود السيطرة السورية على لبنان، وانشغاله ببناء تنظيمه وعقيدته من جهة وترسانته العسكرية من جهة ثانية. ومرحلة ما بعد العام 2005 واغتيال الرئيس رفيق الحريري وصولًا حتى العام 2016، وكان الحزب بدأ يعتمد استراتيجية المشاركة في السلطة الرسمية والتوغل في المؤسسات. ومرحلة ما بعد العام 2016 حيث بات بعد وصول العماد عون إلى سدة الرئاسة، ممسكًا بالتعاون معه ومع فريقه السياسي، بكل مفاصل الدولة وبقراراتها السيادية وغير السيادية كاملة.

شكل إغتيال الرئيس الحريري بدء مرحلة جديدة من السيطرة الإيرانية على لبنان. بدأت تلك المرحلة بإزاحة العقبة الكبرى، ثم استُكملت بتعطيل أية إمكانية لاستعادة المبادرة من قِبَل السياديين عبر شلّ الحكومات وضرب الأكثرية النيابية وتشتيتها. ومع أن عهد الرئيس ميشال سليمان، أي بين العامين 2008 و2014، عرف بعض الإنفراجات الإقتصادية، إلا أن التمدّد السياسي والأمني للأخطبوط كان يتوسع ويتعمّق.

ومهما قيل عن الرئيس رفيق الحريري من باب التشويه لتبرير القتل، فإنه كان رجل الإعمار بلا منازع، ورجل العلاقات المؤثرة دوليًا بلا منازع، وزعيمًا سنيًّا عابرًا للحدود أيضًا بلا منازع. هذا الأمر وهذه القدرات راحت تعيق التمدد الإيراني في لبنان عبر الذراع المسلّحة والمؤدلجة «حزب الله»، خصوصًا بعد بداية تكوّن نواة تحالف بين الحريري والقوى السيادية الأخرى في البلد. فكان لا بد من إزاحة هذا العائق من أمام ذاك التمدّد، فوقع الإغتيال. هذا الزلزال كانت له تداعيات إقتصادية كبيرة عدا عن تداعياته السياسية طبعًا. فأولًا خسر لبنان فكرًا إقتصاديًا وقدرة هائلة على حل الأزمات والتواصل الدولي. وثانيًا أتيح المجال أمام انسياب مشروع السيطرة الإيرانية على لبنان. وما أنكرت إيران نفسها ذلك عندما أعلنت على لسان كبار مسؤوليها أنها باتت تسيطر على أربع عواصم عربية إحداها بيروت. ومع هذا التمدد بدأت تتوالى التداعيات والخسائر في سائر القطاعات والمرافق وعلى كل المستويات.

 

في القطاع المصرفي

لم يهتز قطاعنا المصرفي يوم أقفل أسبوعًا بعد انتفاضة 17 تشرين ثم توالت الأزمات ولم تزل. هو اهتز يوم فقد ثقةً كانت أغلى ودائعه وأبرز ركائز صموده. كان ذلك يوم تحوّل عدد من المصارف قنواتٍ لتمويل الإرهاب، فسقطت. ومثال ذلك سقوط البنك اللبناني الكندي وخروجه من السوق بعدما تبيّن أنه كان يدير حركة أموال غير نظيفة تصب لمصلحة «حزب الله».

ففي 15 كانون الأول 2011 أعلنت وزارة الخزانة الأميركية أنها وضعت «البنك اللبناني الكندي على اللائحة السوداء، نظرًا لانخراطه في شبكة تبييض أموال تجارة المخدرات والسلاح لمصلحة حزب الله». عندها انصرف حاكم مصرف لبنان إلى إطلاق ورشة داخلية تتعلق بمكافحة تبييض الأموال، وأصدر مذكرة يحذّر فيها المصارف من فتح حسابات جديدة للسوريين والإيرانيين والسودانيين، ثم أجرى تعديلات على القانون 318 الخاص بمكافحة تبييض الأموال.

وبعده في حزيران 2015 جاء إهتزاز بنك الشرق الأوسط وأفريقيا MEAB المملوك لآل حجيج من الجنوب والمقربين من الحزب. فأُخضِع البنك لعقوبات أميركية أطاحت رئيس مجلس إدارته قاسم حجيج بقضية دعم «حزب الله»، واستمر البنك بعد إجراء تعديلات على أعضاء مجلس الإدارة بمسعى من الحاكم سلامة. وتَبِعَ ذلك فرض وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على ثلاثة لبنانيين وشركاتهم لاتهامهم بالإنتماء الى شبكة تدعم «حزب الله»، وهم أدهم طباجة وحسين علي فاعور وقاسم حجيج الذي أشارت وزارة الخزانة الأميركية الى وجود علاقات مباشرة له بالكوادر التنظيمية في «حزب الله»، إضافة الى مساعدته عناصر تابعة للحزب في فتح حسابات مصرفية لها في لبنان، ومساعدته في تقديم قروض ائتمان لشركات المشتريات التابعة له.

وتوالت تأثيرات إستخدام إيران عبر الحزب النظام المصرفي اللبناني من دون التفات إلى ما لذلك من أثر سلبي على القطاع والبلد ككل. فكانت الحبّة الثالثة من العنقود المصرفي سقوط جمّال ترست بنك في العام 2019، عندما صنّفته واشنطن بأنه «منظمة إرهابية»، بسبب «تقديمه خدمات مالية إلى المجلس التنفيذي لميليشيات «حزب الله»، ومؤسسة تحمل إسم الشهداء مقرها في إيران».

ولموضوعية البحث لا يعني ذلك أن كل ما يتعرض له القطاع المصرفي اليوم ليس متعدد الأسباب والمسؤوليات. غير أن إيراد هذه المحطات تحديدًا هو للدلالة على مدى ما أحدثه التوغل الإيراني في القطاعات اللبنانية من نخر وتصديع وفقدان ثقة.

 

في المساعدات الخليجية

وثّق تقرير دولي نشرته صحيفة «الشرق الأوسط» حجم المساعدات التي قدمتها المملكة العربية السعودية وحدها للبنان خلال الفترة الواقعة بين العامين 1990 و2015، في شكل مباشر وغير مباشر، بين إستثمارات ومساعدات ومنح وهبات، وقروض ميسّرة وودائع في البنك المركزي والمصارف. تناهز الـ70 مليار دولار، فيما لا تتعدى التقديمات الإيرانية للحكومة مبلغ الـ100 مليون دولار.

وكشف تقرير أعدته قناة «روسيا اليوم» أهمية الدعم المالي والاقتصادي السعودي للبنان اقتصادًا ودولةً، منذ اتفاق الطائف في العام 1989، على رغم أن الدعم السعودي يعود إلى فترات أقدم، حيث أسهم في دعم الاقتصاد اللبناني، فضلاً عن المشاركة في حصة كبيرة من إعادة إعمار ما هدمته الاعتداءات الإسرائيلية التي استلبها «حزب الله». وبحسب التقرير الذي يستند إلى مراجع علمية موثقة، حوّلت المملكة، إضافة إلى التقديمات السابقة، وديعة مالية بقيمة مليار دولار خلال حرب 2006، مشيرًا إلى أنه «ما بين 3 إلى 4 مليارات دولار، أي 10 في المئة من الودائع غير المقيمة في لبنان، هي مملوكة لمستثمرين سعوديين». فيما بلغت الإستثمارات السعودية في لبنان بين العامين 2004 و2015 نحو 6 مليارات دولار.

ولا حاجة لدليل لإثبات أن هذه المساعدات خسرها لبنان بعد إحكام إيران سيطرتها على القرار اللبناني. وقد شكّل ذلك العامل الأكبر، معطوفة عليه عوامل دولية ومحلية أخرى للأسباب عينها، في تراجع مؤشرات الإقتصاد اللبناني ثم سقوطه المريع من غير أن يجد رافعة بعد ضرب الحزب كل علاقات لبنان العربية والدولية. وفي إصرار منه على مواصلة الهدم أقام مؤخرًا مؤتمرًا لما يُسمّى بـ»المعارضة البحرينية» هو الثاني خلال أشهر وخلافًا لقرارات الحكومة، وخصوصًا بعد المبادرة الخليجية التي كان يمكن أن تشكّل مدخلًا لإعادة العلاقات وعودة المساعدات.

 

في الترهيب والتهريب

أدت سيطرة «حزب الله» على مرفأ بيروت مباشرة أو عبر مسؤولي المرفأ، إلى خسارة الخزينة اللبنانية مليارات الليرات من حواصل الرسوم الجمركية حيث يعمد الحزب إلى إدخال العديد من المواد والسلع معفاة من الرسوم الجمركية بحجة دعم المقاومة بوجه إسرائيل، لا سيما عند مباشرة إعادة الإعمار بعد القصف الإسرائيلي في حزيران من العام 2006 والتي أشعلها اختطاف «حزب الله» جنديين إسرائيليين عند الحدود الجنوبية.

وعلاوة على إدخال سلع معفاة من الرسوم، استخدمت إيران مرفأ بيروت لإدخال مواد ممنوعة تدخل في صناعة الصواريخ والمتفجرات، من خلال سيطرة الحزب على المطار والمرفأ لا سيما العمبر رقم 12 الذي انفجر ودمّر نصف العاصمة بسبب نيترات الأمونيوم التي باتت معروفة طريق الوصول ووجهة الإستخدام وهول التأثير، مهما عمل الساعون إلى عرقلة التحقيق القضائي.

ويُضاف إلى معابر الإدخال من غير رسوم، معابر التهريب من غير رقيب. فهناك 124 معبرًا غير شرعي للتهريب بين لبنان وسوريا يستخدمها المهرّبون ويسيطر على معظمها «حزب الله» مانعًا القوى الشرعية من ضبطها. وعبر هذه المعابر يخسر لبنان خزينةً وشعبًا ملايين الدولارات يوميًا تعود إلى المهرّبين، وأكثرهم تنظيمًا من يديرهم الحزب بحيث يؤمّن لآلته الحربية مدخولًا لم يعد متوفرًا من الدعم الإيراني السابق له. ففي تهريب المازوت المدعوم وحده كانت تصل الكمية المهرّبة إلى 3 ملايين ليتر بخسارة نصف مليون دولار يوميًا. هذا عدا عن سائر السلع خروجًا ودخولًا.

يُضاف إلى هذا العامل، عامل سيطرة الحزب وحلفائه على إدارات الدولة ضمن تحالف السلاح والفساد. ففيما غطى الحلفاء سلاح «حزب الله» وتخلّوا له عن القرارين السيادي والأمني، تغاضى الحزب عن امتداد أيادي حلفائه إلى المال العام عبر الصفقات والتوظيفات خارج الأصول، ما كبّد الخزينة أموالًا طائلة، فسقط السقف على الجميع. وإن لم تذهب هذه الأموال إلى جيوب الحزب أو الإيرانيين لكنّ سيطرتهما على الدولة شكلت الستار والدافع للإنقضاض عليها وتداعي المؤسسات بما خرّب كل قواعد العمل الحكومي والمؤسساتي الذي لم تقوَ الحرب على تخريبه. ولم تقف الأمور عند هذا الحد، بل استكمل ضرب الاقتصاد عبر ضرب السياحة الرافد الأول للبنان، ثم ضرب التجارة عبر استغلالها لتصدير المخدرات؟

 

في التيئيس والهجرة

تنشأ الإقتصادات وتنهض بفكر المبدعين وسواعد العاملين. من هنا يمكن تقدير ما يصيب الإقتصاد اللبناني من وهن بعد نزف كفاءاته وتقويض مقوّمات نهوضه. صحيح أن اللبنانيين العاملين في الخارج يؤمّنون رافدًا مهمًّا لدعم العائلات وتوفير النقد النادر عبر تحويل ما بين 14 و16 مليار دولار سنويًا، إلا أن ذلك لا يبني اقتصادًا ناهضًا بل يبقيه ريعيًّا غير منتج. وقد ذكرت دراسة للدكتوره شوهيغ كسباريان بعنوان «مستقبل المتخرّجين من الجامعة اليسوعية»، أنه خلال أربع سنوات ترك 29 في المئة من المتخرجين لبنان (40 في المئة من الذكور و22 في المئة من الإناث). وقد هاجر 65 في المئة من خرّيجي الهندسة وخمسون في المئة من خرّيجي الطبّ.

والخط البياني الأكثر إنحداراً على مدى هذه الفترة الطويلة كان منذ العام 2017 الذي أظهر نمواً سلبياً استمر إلى أن أصبح سلبياً بنسبة 4 في المئة بنهاية 2021. وقد وصلت نسبة البطالة إلى 80 في المئة من اليد العاملة، وزاد عدد اللبنانيين الذين يرزحون تحت خط الفقر إلى 48 في المئة. ومنذ العام 2016 بدأت هذه الأرقام انحدارها إلى الأسوأ، عندما أحكم «حزب الله» وحلفاؤه، أو عبرهم، السيطرة على جميع مفاصل الدولة، وأصبح هو سلطة السيطرة الإيرانية على لبنان ينفّذ تعليمات مرشدها بلا نقاش أو تردد. وقد كانت التوجيهات الإيرانية إلى الحزب أن يعمل على التمويل الذاتي بسبب شح موارد إيران من جراء العقوبات الأميركية، فكانت استباحة موارد الدولة اللبنانية. ولكي يحصل هذا كان من الضروري أن يتم تقويض المؤسسات الإدارية والرقابية والقضائية، وكان تغييب تامٌّ للتفتيش المركزي وديوان المحاسبة ومجلس الخدمة المدنية. ولقد أدى هذا التقويض إلى عمليات فساد ضخمة أهمها في قطاع الكهرباء الذي كلّف الخزينة منذ العام 2010 أكثر من 40 مليار دولار أوصلت البلد إلى العتمة.

 

خلاصات وعِبر

يعلم الجميع أنه في كل مراحل الإنهيار اللبناني منذ العام 1975 بقيت في البلد مسلّمات لم تُمسّ من السلطات المتعددة التي كانت تتحكم بالسلطة، فبقي الاقتصاد خلال الهيمنة الفلسطينية وبعدها السورية حراً نسبيًّا وتحويل المال بلا قيود أو سقوف، وكان متوسط دخل الفرد يتفاوت بين 800 و1200 دولار في العقد الممتد من 1995 إلى 2005، فيما يصل الحد الأدنى للأجور اليوم إلى 42 دولاراً في الشهر. وحافظ الجسم المصرفي على أعلى المعايير الدولية للسيولة وتَقيَّدَ بالقوانين الدولية مما أكسبه احتراماً وثقهً كبيرين في أسواق المال الكبرى. وعلى رغم الإحتلالات بقي لبنان على علاقات طيبة ومميّزة مع المجتمع الدولي، وبالأخص الدول العربية التي كانت إلى جانبه للمحافظة على استقراره الاقتصادي والمالي، فكانت ودائع الإمارات العربية والسعودية لدى البنك المركزي قد تجاوزت الـ6 مليارات دولار عشية إغتيال الرئيس رفيق الحريري. كذلك لم يتوقّف التهريب منذ «سفر برلك» حتى ما بعد الإستقلال، لكنه لم يكن يومًا منظمًا ومغطّى بالشكل الذي شهدناه في السنوات الأخيرة.

هذا ولا يغيب عن البال مدى أثر تعطيل الحكومات والإستحقاقات الرسمية كلما تعارض عملها أو تشكيلتها مع المصالح الإيرانية في البلد الصغير. فمنذ العام 2005 تم تعطيل عشرات الحكومات إما تشكيلًا أو انعقادًا وممارسة حكم. كما تم تعطيل الإنتخابات الرئاسية قرابة السنتين قبل انتخاب العماد ميشال سليمان بتسوية تمّت في الدوحة بنتيجة إجتياح الحزب بيروت، وقرابة السنتين قبل إيصال العماد ميشال عون إلى السلطة بتسوية خارجية وتخريجة داخلية. ومذذاك أمسك الحزب بكل مفاصل السلطة. وها هو بعد ذلك يعطّل السلطة القضائية، كما يعطل أية مفاوضات مع البنك الدولي تحت حجة أنه أداة بيد واشنطن، في حين تفاوضه الحكومات في العالم وتنال الدعم وتضع برامج النهوض وتنجح. والأمثلة على ذلك كثيرة ولا تتطلب كبير جهد لبلوغها.

من هنا، يشدد الباحثون في علم الإقتصاد على أن أي بحث في نهوض إقتصادي من دون ضبط الأداء السياسي وبناء دولة ذات سيادة ومؤسسات تتوسل القانون طريقًا والكفاءة أداةً والشفافية عنوانًا، هو بحث من غير ذي جدوى ومضيعة للوقت. ويؤكدون على ضرورة اغتنام فرصة الإنتخابات النيابية لبدء تصحيح المسار بالسيادة أولًا وببناء المؤسسات ثانيًا واستعادة ثقة العرب والعالم بعلاقات رصينة ثالثًا، ومن ثم فإن الإقتصاد يلاقي جهود بنائه على منتصف الطريق.

للإشتراك في “المسيرة” Online:

http://www.almassira.com/subscription/signup/index

from Australia: 0415311113 or: [email protected]​​​

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل